فهرس الكتاب

الصفحة 11217 من 27345

يقول المفكر والأديب المجري المعروف (آرثر كوستلر) متحدثًا عن إحدى خبراته أيام كان منتميًا للحزب الشيوعي الألماني في الثلاثينيات: كان الدافع الجنسي مقررًا ومعترفًا به، إلاّ أننا كنا في حيرة بشأنه. كان الاقتصار على زوجة واحدة، بل كان نظام الأسرة كله عندنا أثرًا من آثار النظام البورجوازي ينبغي نبذه؛ لأنه لا ينمّي إلاّ الفردية والنفاق والاتجاه إلى اعتزال الصراع الطبقي، بينما الزواج البورجوازي لم يكن في نظرنا إلا شكلًا من أشكال البغاء يحظى برضاء المجتمع وموافقته. إلاّ أن السفاح والاتصال الجنسي العابر كان يعتبر أيضًا شيئًا غير مقبول، وكان هذا النوع الأخير قد شاع وانتشر داخل الحزب سواء في روسيا أو خارجها، إلى أن أعلن لينين تصريحه الشهير الذي يهاجم فيه نظرية (كاس الماء) تلك التي تزعم أن العملية الجنسية ليست أكثر خطرًا وأثرًا من عملية إطفاء العطش بكاس من الماء. وكان الدكتور (ولهلم رايخ) ، وهو رجل ماركسي من أتباع فرويد ، ومؤسس معهد (السياسة الجنسية) قد أصدر تحت تأثير (مالينوفسكي) كتابًا سماه (وظيفة الشهوة الجنسية) شرح فيه النظرية التي تزعم أن الإخفاق الجنسي يسبب تعطيل الوعي السياسي لدى الطبقة العاملة، وأن هذه الطبقة لن تتمكن من تحقيق إمكانياتها الثورية ورسالتها التاريخية إلاّ بإطلاق الحافز الجنسي دون حدود أو قيود.

وهو كلام يبدو الآن ـ كما يقول كوستلر نفسه ـ أكثر اعوجاجًا وسخفًا مما كان يبدو لنا في ذلك الحين.

وهذه النظرية التي يصوغها الدكتور الماركسي ـ الفرويدي: (رايخ) والتي تمثل امتدادًا ميكانيكيًا لمقولة ماركس وانغلز في (المنشور الشيوعي) المعروف، يجيء لينين الزعيم الماركسي لكي يقلبها رأسًا على عقب، وهو بصدد مهاجمة نظرية (كاس الماء) .. فتأمل!

من ثم فإننا لا ندهش إذا قرأنا في (حدود العلم) لسوليفان ـ على سبيل المثال ـ أن علم النفس ما زال في الوقت الحاضر في مرحلة بدائية جدًا! بل إن البعض ينكر وجود أي علم من هذا القبيل!! وأنه ليس هناك بالتأكيد نظام من المعارف النفسية الثابتة التي جرى إقرارها بصورة عامة، بل هناك عدد من النظريات، لكل منها مجال محدود للتطبيق، وهي تختلف عن بعضها اختلافات عميقة حينما تتناول الظاهرة نفسها.

فإذا كان لنظريتين في علم النفس رأيان مختلفان تمامًا إزاء ظاهرة من الظواهر، فكيف يُتاح لنا أن نحكم على صدق المنهج النفسي، وعلميّته ، ويقينيّته؟ فإذا ما تأكد أن إحدى النظريتين مصيبة، بشكل أو آخر، كانت الأخرى بالتأكيد خاطئة، وليس لنا من ثم أن نعتقد بأن علم النفس يتكئ على دعائم ثابتة، كما يحدث في الفيزياء والكيمياء، على الرغم من أن هاتين تتعرضان ـ أيضًا ـ ولكن بنسبة أقل لتغيرات أساسية في صميم مقولاتهما.

وقد يقول قائل: إن كلًا من النظريتين النفسيتين تتضمن قدرًا من الخطأ وقدرًا من الصواب، وفي هذه الحالة أيضًا لا يمكن الاطمئنان إلى سلامة المنهج الذي يعتمده علماء النفس في صياغة نظرياتهم؛ لأنه ـ في أغلب الأحيان ـ يعتمد التعميم، ومن ثم تختلف النظريات النفسية ـ أحيانًا ـ اختلاف النقيض مع النقيض، دون أن يكون هناك قاسم مشترك. ذلك أن

"التعميم"هو الضربة القاتلة لمناهج البحث العلمي الرصين.

ومهما يكن من أمر فإن (سوليفان) يتناول بالتحليل والنقد اثنتين من أبرز النظريات النفسية وأكثرها انتشارًا: النظرية السلوكية ونظرية التحليل النفسي، لكي ما يلبث أن يصدر حكمه على ضعف، واهتزاز النتائج التي توصلنا إليها بصدد تركيب العقل البشري، وطريقة عمله.

وهو يرى أن السلوكيين، إلى جانب قيامهم بوضع نظريات على أسس واهية جدًا من الحقيقة، فإنهم يقدّمون نظريات تناقض خبراتنا المباشرة. إنهم ينكرون الحقائق الواضحة، ينكرون أننا نستطيع تشكيل صورة بصرية أو سمعية وما إليها في عقولنا. إن أولئك الذين يمتلكون من بيننا قدرة عظيمة على تكوين الصور البصرية العقلية، أو الذين يستمتعون بالإصغاء العقلي للأعمال الموسيقية المحببة لديهم، يعلمون أن هذه المقالة لا تنطوي على أي جانب من الصحة. حقًا إن النظرية السلوكية عندما يجري تطبيقها على العمليات العقلية البسيطة جدًا، تبدو قاصرة إلى درجة تصبح معها غير ذات قيمة!

وبخصوص نظرية التحليل النفسي يعرض سوليفان للعديد من المحاولات التي انشقت

عن فرويد، ويشير بسخرية إلى أن عدد هذه المحاولات من الكثرة بحيث ينافس المسيحية في طوائفها، وكل طائفة من طوائف التحليل النفسي تدعي لنفسها، مثل طوائف المسيحية، نظرة شاملة وواقعية، وتشير إلى قائمة مؤتمرة من العلاقات الروحية والجسمانية لإثبات كفاية تعاليمها وصلاحيتها.. إن أي شكل من أشكال التحليل النفسي لا يمكن اعتباره في وضع مرض كعلم. ولا يمكنه اللجوء إلى النتائج من أجل إثبات النظرية؛ لأن هذه النتائج، أي العلاجات التي يقدمها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت