فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
أضف إلى تأثر النفس بالمفاهيم والقيم الشائعة أو وراثة صفات الآباء والأجداد، عامل العيش في ظل نظام يفرض وجهة نظر معينة، وطريقة عيش محددة. فقد كان سكان الاتحاد السوفياتي المنهار، يمقتون التجارة وينفرون منها، ويعتبرون القيام بها معيبا وأقرب إلى العار جراء ارتباطهم بالمبدأ الاشتراكي، الذي يمقت الرأسمالية والرأسماليين، وهي وجهة النظر التي كانت تسود في أميركا وأوروبا الغربية قبل انهياره، حيث تعتبر التجارة ومتعلقاتها من بورصة ومضاربات وعملات وشركات أهم ما يشغل بال الناس، بل إن جوهر الحياة وأهم قيمه هي ما يتعلق"بالبيزنس"الذي حول كل شيء إلى مجرد سلعة للبيع والشراء والمقايضة بما فيها البشر، ومن هنا نرى مدى تأثير النظام المطبق على صياغة نفوس الناس قديمًا وحديثًا وأهميته.
وأما التأثر بالعادات والتقاليد فأمر غني عن التدليل، وقد قيل"العادة كالعبادة!"، ناهيك عن أن كثيرًا من الأعراف المشؤومة، لها سلطان أقوى من سلطان الدولة والقانون والدين مع عظم شأنه، كما هو مشاهد في العديد من الحالات.
ومن هنا يرد سؤال جوهري، ويتعلق في صميم بحث تزكية النفس وتهذيبها: طالما أن النفس تتشكل نتيجة البيئة التي يعيش الإنسان فيها، بل وترث الخصال الحسنة أو القبيحة بفعل أثر الآباء والأجداد، أو بحكم العادات والتقاليد أو النظام المطبق على الناس والذي تحكمه وجهة نظر محددة في الحياة، فلم نعاتب الناس فيما هم عليه من سوء حال، وهل من سبيل إلى إعادة صياغة نفسية الإنسان من غير تغيير الأوضاع السائدة في المجتمع وقلب المفاهيم الشائعة فيه فضلا عن استبدال الأعراف السائدة؟
والجواب هو: إن تغيير ما تطبعت عليه النفوس أو ورثته واعتادت عليه أمر يصعب نواله، ودونه صعوبات شتى، وخصوصا في ظل سيادة أوضاع مختلفة تتباين بل وتتناقض مع ما يراد التغيير له. ولذلك فمن المبالغة، توقع إحداث إصلاح أو تغيير جماعي في أنفس الناس عموما نحو الأمثل أو الأفضل، في ظل نظام رأسمالي مقرف عمّ وطمّ، وأطبق على نفوس البشر من الأرض والسماء، بقوانين وأنظمة وقيم وفلسفات وسياسات، وإعلام فضائي وأرضي مرئي ومسموع ومكتوب، وقوة قاهرة وسلطان مرعب، لتصوغ النفوس بعيدًا عن القيم الرفيعة، حتى تلك التي كان العرب يتمتعون بكثير منها في جاهليتهم، مع خمرهم وعريّهم في حجّهم وانكلابهم على بعضهم، كالأنفة والفخر والعزة والإباء، وكإيواء عابر السبيل وقرى الضيف والأثرة والشهامة وما إلى ذلك، مما نفتقده اليوم بشدة؛ حتى بين الأخوة، بسبب كل ذلك، فإنّ المعول عليه لتغيير عامة الناس وإصلاح أنفسهم والارتقاء بهم، وإحداث نهضة حقيقية لهم، إنما يكون بتغيير الأوضاع العامة السائدة في المجتمع، وباستعمال كل الوسائل والمقدرات الممكنة من مؤسسات تعليمية وإعلامية واجتماعية وقانونية لنشر القيم الرفيعة والمفاهيم الصحيحة عن الحياة، وهذا لا يتأتى بحال دون سياسات يضعها عقلاء ومفكرون ونبيهون حريصون على المجتمع، يسهر على تنفيذها سلطان الدولة الرحيمة، وبمساندة مختلف الطاقات الفردية والجماعية المتوفرة لتحقيق المطلوب.
وعدم توفر ذلك النظام السياسي المبدئي المالك لزمام الأمور، المسخر لطاقات الأمة ومقدراتها فيما يحقق لها الخير والطمأنينة، هو ما يفسر فشل محاولات كل الحركات السياسية والخيرية والأخلاقية والروحية والاجتماعية في تهذيب أنفس الناس وتنقيتها فضلًا عن عدم إحداث نهضة أو رقي في أي من مجتمعات العالم الإسلامي، حيث سرعان ما تذهب تلك الجهود أدراج الرياح في ظل قانون واحد يوصد أمام الناس باب الفضيلة ويعاقبهم على التحلّي بها، ويشرع أمامهم باب الرذيلة مفتوحًا على مصراعيه ويكافئهم على اقترافها.
ومما ينبغي إدراكه، هو أن ما سبق شرح للواقع على ما هو عليه، وليس تبريرًا لامتهان البعض في سلوكهم، أو لضرب الصفح عن الظلم والآثام بحجة الظروف والواقع، أو عذرًا للاعتداء على حقوق الآخرين وإهدار كرامتهم. فالسرقة والزنا والغش والمكر والخديعة وأكل المال بالباطل واحتراف الاحتيال والرشوة والظلم بأنواعه وغيرها من الآفات هي من الفواحش التي يحظر اقترافها وينبغي الحذر منها.
كما أنه لا يصح ولا يليق البتة، الانجرار مع ما هو سائد أو التطبع بالواقع الفاسد، بحق من ادعى أنه صاحب رسالة في الحياة، ونذر نفسه لحمل دعوة سامية، وتبنى قضية مصيرية فيها، فالركون للواقع والتلون بما شاع فيه؛ ينفيان قدرته على إصلاح نفسه فكيف يصلح غيره، لأن رائد الطليعة وقائد الأمة ينبغي أن يكون مثالًا يحتذى. فصاحب الدعوة إن لم يتميز بالثبات والتفاني والتضحية والتفاعل الصادق مع أبناء المجتمع، فلن يفلح في قيادتهم وسيفشل في تحقيق نصرتهم لقضيته.