فهرس الكتاب

الصفحة 11226 من 27345

2.مما تدفع إليه الغريزة بشكل فطري، الميل إلى الجنس الآخر، فإن أرخى المرء لنفسه عنانها، وأطلق نظراته وراء كل محرم؛ بغية التلذذ وإشباع الشهوة، لأدى ذلك بالنفس إلى التخلي عما يحصنها، من وجوب انقيادها للعقل الذي سلم بوجوب اتباع وحي الله تبارك وتعالى، الذي أمر بغض النظر عن العورات المحرمة، فإن انقادت النفس لشهوة صاحبها وأطلق نظراته كسهام القناص حيث أُمِر بغض النظر، يخسر التزامه وبذلك تنقاد نفسه إلى طريق الفجور والعصيان حيث تهبط إلى مستوى الغريزة المدفوعة من غير عقل ضابط. بينما لو حصل العكس، واتخذت النفس الشرع الذي آمن به الإنسان سيدًا لها، ومنحته السلطان عليها، وغضت البصر، لتعززت ثقته بقدراته، ولقويت إرادته، ولوجد لذة وعصمة من جراء تكرار ذلك حيث بات هناك انسجام بين نفسه وبين مفاهيمه، أنظر إلى قول النبي الكريم"النظرة سهم من سهام إبليس، من تركها من مخافة الله أعطاه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه ."

وهكذا ينبغي أن تسير الأمور عند من يريد أن يسلك درب الرشاد، وينال رضى الرحمن، ليتلطف به ويكفله وينصره، فيصبح بصره الذي يبصر به وعينه التي يرى بها؛ ولذلك لزم عند من أدرك في نفسه صفة تخرم مروءته، أو تحطّ من آدميته، كان عليه أن يباشر في تهذيب نفسه، بتعويدها عما يجلها ويرفعها عن الموبقات والآثام.

فمثلا من شعر بنفسه يتملكها الحسد من الآخرين لزمه تدبر حديث النبي الكريم"لا حَسَدَ إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا، فسَلَّطَه على هَلَكَته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يَقْضي بها ويُعَلِّمها"وهكذا ...

وعليه أن يجبر نفسه على الانكسار أمام شرع الله لكي يتقبله الله ويوفقه، فلا يغلب شهوة أو طبعًا سيئًا على أمر يخالف الشرع، وعليه أن يحذر من التبرير لما يقدم عليه، فإن ذلك هو درب إبليس الذي تجرأ بذلك على الله تعالى، حيث أخذ يجادله في أمر طاعته، وأن سجوده لآدم سينقص من قدر خلقه، إذ أن النار أفضل من الطين بزعمه، وتجاهل أن الله هو خالق الأشياء، ويعلم كنهها، وهو بكل شيء محيط.

وانطلاقًا من هذه القاعدة الفكرية، ينبغي على المرء الانطلاق في عالم يجعل فيه شرع الله جل وعلا نصب عينيه، مدركًا أنه متبع بذلك عقله الذي ميزه الله به ليسلم بآلاء الله وتوجيهه ووحيه، فيسير في دربه ويعتصم بحبل الله منقطعًا إليه عمن سواه، لينطبق عليه في رحلته إلى محطته البرزخية قوله تعالى: ? يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ، وَادْخُلِي جَنَّتِي? [الفجر] .

نعم هذا هو الحال إذا ما ألزم الإنسان نفسه بما أنتجه عقله من قناعات عقائدية تفسر سبب وجوده في الحياة، وتضع له نظامًا منبثقًا عنها؛ ليضبط حركات أفعاله على إيقاعات متناسقة مع منهج الله وهديه الذي رسمه له، حيث يقول: ?إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا? [الإنسان] .

وأما إذا ما أتبع الإنسان نفسه هواها، وسخّر العقل في خدمتها، فإنه سينطلق في عالم الغواية، وسينزلق في عالم البهيمة؛ فيصبح شرًا منها، ولانطبق عليه قوله تعالى?إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا? [الفرقان] هذا هو واقع بحث النفس، وخلاصته تتمثل في قوله تعالى: ?وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا?

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت