فهرس الكتاب

الصفحة 11228 من 27345

الرابع: إذا عاهد غدر ولم يفِ بالعهد، والغدر حرام في كلّ عهد بين المسلم وغيره، ولو كان المعاهد كافرًا، ولهذا في حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( من قتل نفسا معاهدًا بغير حقها لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا ) )، وقد أمر الله تعالى في كتابه بالوفاء بعهود المشركين إذا أقاموا على عهودهم ولم ينقضوا منها شيئا. وأمّا عهود المسلمين فيما بينهم فالوفاء بها أشد، ونقضها أعظم إثما. ومن أعظمها نقض عهد الإمام على من بايعه ورضي به، وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ثلاثة لا يكلّمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ) )، فذكر منهم: (( ورجل بايع إمامًا لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه ما يريد وفَّى له، وإلا لم يفِ له ) ). ويدخل في العهود التي يجب الوفاء بها ويحرم الغدر فيها جميع عقود المسلمين فيما بينهم إذا تراضوا عليها من المبايعات والمناكحات وغيرها من العقود اللازمة التي يجب الوفاء بها، وكذلك ما يجب الوفاء به لله عز وجل مما يعاهد العبد ربّه عليه من نذر التَّبرُّر ونحوه.

الخامس: الخيانة في الأمانة.

وحاصل الأمر أن النّفاق الأصغر كلَّه يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية، قاله الحسن. وقال الحسن أيضا: من النفاق اختلاف القلب واللسان، واختلاف السر والعلانية، واختلاف الدخول والخروج"."

وقال:"ومن أعظمِ خصال النّفاق العملي أن يعمل الإنسان عملا ويظهر أنه قصد به الخير وإنما عمله ليتوصّل به إلى غرض له سيئ، فيتمّ له ذلك، ويتوصّل بهذه الخديعة إلى غرضه، ويفرح بمكره وخداعه وحمد الناس له على ما أظهره، ويتوصّل به إلى غرضه السيئ الذي أبطنه، وهذا قد حكاه الله في القرآن عن المنافقين واليهود، فحكى عن المنافقين أنهم {اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة:107] ، وأنزل في اليهود: {لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران:188] ، وهذه الآية نزلت في اليهود، سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ما سئلوا عنه، قال ذلك ابن عباس، وحديثه مخرّج في الصحيحين. وفيهما أيضًا عن أبي سعيد أنها نزلت في رجال من المنافقين كانوا إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلافه، فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا".

وقال في معرض بيان خطورة هذا النفاق:"والنفاق الأصغر وسيلة وذريعة إلى النفاق الأكبر، كما أن المعاصي بريد الكفر، فكما يُخشى على من أصرّ على المعصية أن يسلَبَ الإيمانَ عند الموت كذلك يخشى على من أصرّ على خصال النفاق أن يسلَب الإيمان، فيصير منافقا خالصا".

مدارج السالكين (1/376) .

تفسير القرآن العظيم (1/48) .

أخرجه البخاري في الديات، باب: إثم من قتل ذميًا بغير جرم (6914) .

أخرجه البخاري في الشهادات، باب: اليمين بعد العصر (2672) ، ومسلم في الإيمان (108) .

جامع العلوم والحكم (2/481) وما بعدها، بتصرف.

أخرجه البخاري في التفسير، باب: قوله: {لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ} (4568) ، ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم (2778) .

أخرجه البخاري في التفسير، باب: قوله: {لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ} (4567) ، ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم (2777) .

جامع العلوم والحكم (2/493-494) .

جامع العلوم والحكم (2/492-493) .

رابعًا: ذمّ النفاق في الكتاب والسنة:

قال ابن القيم:"كاد القرآن أن يكونَ كلّه في شأنهم؛ لكثرتهم على ظهر الأرض وفي أجواف القبور".

1-قال الله تعالى: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المنافقون:4] .

قال الطبري:"يقول الله جل ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم: {هُمُ الْعَدُوُّ} يا محمد {فَاحْذَرْهُمْ} ؛ فإن ألسنتهم إذا لقوكم معكم، وقلوبهم عليكم مع أعدائكم، فهم عين لأعدائكم عليكم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت