فهرس الكتاب

الصفحة 11272 من 27345

مرة أخرى هل يعقل أن يخرس الكتّاب المصريون على بكرة أبيهم فلا يخطوا حرفا واحدا عن الزلزال على الأقل، ذلك الزلزال الذى لا بد أن يكون قد تجاوز مقدار ثمانى درجات بمقياس ريختر، لكن الله سلم، لأن الأنبا والإسكافى كانا رغم كل شىء رفيقين بالمسلمين فلم يشاءا أن يدمرا البلد على دماغ الذين جاؤوا بها واكتفوا بقرصة الأذن هذه؟ ودعنا من تثنى الجبل ورقصه على واحدة ونصف وقد ربط شالا على مؤخرته كما تفعل الراقصات، فهكذا تقتضى أصول الرقص الشرقى، وإلا فلا! وحتى لو زَعَم سخيفٌ أن المسلمين لم يشاؤوا أن يتكلموا عن المعجزة، ولا أدرى لماذا، لقد كان بإمكانهم يا أخى أن يقلبوا الحقائق قلبًا فيدّعوا مثلا أن النصارى كانوا يريدون بالبلاد شرا وكان في نيتهم التمرد على السلطات، إلا أنها قد ألزمتهم حدودهم. أما أن يسكت الشعب كله خاصته وعامته وحكومته دون أن ينبس ببنت شفة أو بابنها فهذا ما لا يدخل دماغ أى إنسان. لقد شغلت الناس أيما شغل حكاية الأضواء التى تلعب بها بعض الكنائس في عصرنا هذا وتطلقها في الليل فوق أبراجها ثم يدعون أنها ظهورات لمريم عليها السلام، وأفاضت الصحف والكتب في أمرها طوال سنوات ومازالت تتناولها حتى الآن، ولا ريب أن تلك الأضواء المصنوعة ليست شيئا بالمرة أمام الرقص المرعب الذى يجمد الدم في العروق والذى رقصه الجبل (منه لله!) ولا رَقْص القرد ميمون، فما بال المصريين على بكرة أبيهم وأمهم معا قد انكتموا كتمة الفول المدمس فلم يفتح الله عليهم بكلمة واحدة في هذه المناسبة المذهلة التى لو كانت وقعت لقامت فتنة لا يعلم مداها إلا الله، ولرأينا كذلك بعض ضعفاء الإيمان من المسلمين يتنصرون، وهو ما لم يحدث، وإلا لسجله المؤرخون على عادتهم في تناول كل شىء دون تعمية أو تجاهل أو تزييف.

أما استشهاد عزت أندراوس بكلام ماركو بولو عن تلك الحدوتة في رحلاته فهى مسألة تبعث على القهقهة، فماركو بولو لم يكن حاضرا الواقعة، بل لم يكن معاصرا لها، وكل ما فعله هو تسجيله لما سمعه أثناء تطوافه في بلاد المسلمين. ليس ذلك فحسب، بل من شأن ما قاله أن يقدح في المسألة لا أن يؤكدها، إذ إن مسرح المعجزة عنده بين بغداد والموصل وليس القاهرة، كما أن الخليفة العباسى في قصته هو الذى كان ينوى اضطهاد النصارى لا المعز، بالإضافة إلى أن تاريخ الاضطهاد والمعجزة المزعومة في كتابه متأخر عن تاريخهما المكذوب في مصر بقرنين ونصف حسبما يوضح الهامش الأول من هوامش الفصل السابع من الكتاب الخاص برحلاته. ثم إن الخليفة العباسى في حدوتة الرحالة الإيطالى كان يكره النصارى"لله في لله"دون حاجة إلى وجود وزير يهودى يوغر صدره عليهم، على عكس الحدوتة الأخرى التى تصور المعز واسع الصدر، يفسح لهم دائما في مجلسه ويحب أن يستمع إليهم وهم يجادلون المسلمين واليهود في حرية تامة، إلى أن قفز فيها ابن كلس وخطط للإيقاع بالنصارى. وفضلا عن ذلك نرى الخليفة في رواية بولو يعطيهم مهلة عشرة أيام: فإن نجحوا فبها ونعمت، وإلا فالعقوبة الصارمة في انتظارهم. أما في الرواية المصرية فهم الذين التمسوا منه المهلة، وكانت ثلاثة أيام لا عشرة قضوها كلها صائمين، بخلاف الحدوتة الأخرى التى تقول إن النصارى قد قضوا الأيام العشرة في صلاة وتضرع، لكن دون صيام. وبالمثل ففيما نجد أن مريم عليها السلام في روايتنا السابقة هى التى ظهرت للبطرك في المنام نفاجأ في رواية بولو بأن زائر المنام هو الروح القدس لا العذراء، وأن المَزُور هو أسقف من الأساقفة لا البابا ذاته، وأن الزيارة المنامية قد تكررت عدة مرات، على حين أنها في الرواية السابقة لم تقع إلا مرة واحدة ليس إلا. وفوق ذلك ففى الوقت الذى تقول فيه الرواية الأولى إن الفريقين من مسلمين ونصارى صعدوا جميعا على الجبل، كل فريق في جانب منه، وإن الجبل كان يعلو ويهبط وهم واقفون فوقه، نجد في رواية رحالتنا البندقى أن الفريقين كانا واقفين في السهل أمام الجبل لا فوق الجبل نفسه، وكانا من ثَمّ يشاهدان ما يحدث وهم بمنجًى من الخطر... فكيف بعد ذلك جميعا يجرؤ أى إنسان على الاستشهاد بما كتبه ذلك الأفاق؟ وما أشبه هذا بما كنا نسمعه في طفولتنا من حواديت العفاريت التى كان أبطالها دائما رجالا ونساء من أهل قريتنا، حتى إذا ما كبرتُ وأصبح لى أصدقاء من قرى أخرى بعيدة عن قريتنا وليست لها بها أية صلة، أخذتُ أسمع منهم نفس الحواديت مع بعض التلوينات المختلفة، إلا أن أبطالها رجال ونساء من تلك القرى الأخرى، فكان هذا سببا إضافيا من الأسباب التى نبهتنى إلى أنها مجرد خرافات لا علاقة لها بالواقع وأنها لم تقع بقريتنا أو بأية قرية أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت