فهرس الكتاب

الصفحة 11275 من 27345

وقد جعل الله عز وجل مسؤولية التغيير على أيدي الناس (ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل فلن يضل أعمالهم ) (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ) .

إننا حين نريد أن نتحدث عن تربية خير الناس أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فإن الحديث يطول، ولن نستطيع أن نلم بأطرافه وزواياه في مثل هذه الساعة، لكننا نريد أن نركز في حديثنا على هذه النقلة، كيف تحققت وكيف تغير المجتمع من ذاك الواقع المظلم المنحط إلى أن أصبح الاقتداء به والتأسي به والتشبه به دليل على الهداية بإذن الله عز وجل، والانحراف عنه دليلًا على الضلال والغواية؟

لقد أرسل الله النبي صلى الله عليه وسلم في مجتمع يعاني من الجاهلية والضلال، وقد صار الناس كما وصفهم صلى الله عليه وسلم (إن الله نظر إلى الناس فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب) ، إنه أُرسل في أمة قد مقتت، وأمة قد حق عليها الضلال والغواية، ولم يعد لتلك الأمة من أهل الهداية والخير إلا أفراد معدودون كانوا يسمون الحنفاء . وحين تقرأ في السيرة وتقرأ الحديث عن الحنفاء . فإنك تجد أهل السير يسمون الحنفاء بأسمائهم مما يدل على أنهم فئة محصورة وعدد قليل في خضم ذلك المجتمع الضال المنحرف.

وحين نتحدث عن جانب واحد فقط من جوانب التخلف والانحطاط التي كان يعاني منها العرب في جاهليتهم قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فإن ذلك وحده يكفي شاهدًا لموضوعنا، لكننا سنطوف هنا وهناك ونأخذ شواهد من جوانب شتى في ذلك المجتمع، كلها تنطق بهذا الإنجاز التربوي الذي تحقق على يد ذلك الجيل وذاك الرعيل الذي اختاره الله تبارك وتعالى، ليكون قدوةً للناس: قدوة في العمل، والسلوك، والاعتقاد، والتعبد لله تبارك و تعالى، وقدوةً في منهج الإصلاح والتربية والتغيير .

الجانب الديني

كان الناس قد انسلخوا من دين الله تبارك وتعالى وجاهروا بالشرك الصريح، وصاروا لا يعرفون الله عز وجل إلا في وقت الشدة، فإذا ألمت بهم شدة وأدركتهم الخطوب وضاقت بهم الأبواب لجؤوا إلى ربهم تبارك وتعالى فدعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون! وهذا عنوان الاستهزاء والسخرية برب العالمين تبارك وتعالى، إنه دليل على أن قضية الشرك في عبادة الله تبارك وتعالى كانت ترتكب عند هؤلاء عن عمد وسبق إصرار، فهاهم حين تدلهم بهم الخطوب وتضيق بهم السبل يعلنون التوحيد لله تبارك وتعالى . وحين سأل النبي صلى الله عليه وسلم أحدهم قال:"كم إله تعبد اليوم؟"قال سبعة: ستة في الأرض وواحد في السماء، قال:"فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟"قال الذي في السماء، كان أولئك كما حكى أبو رجاء العطاردي رضي الله عنه: كنا في الجاهلية إذا لم نجد حجرًا جمعنا جثوة من التراب وجئنا بالشاة فحلبناها عليه ثم طفنا بها. إن هذه قيمة الإله عند أولئك، الإله هم الذين يصنعونه، حينما يأتي أحدهم إلى الصحراء يبحث عن حجر ليعبده، فيأتي فيختار أربعة أحجار، فيبحث عن أحسنها وخيرها، فيجعله إلهًا له فيعبده ويسجد له ويركع له ويعلق مصيره وحياته به، ثم يأخذ الثلاثة الأخر فيجعلها أثافي لقِدْره؛ فيضع قِدْره عليها ويشعل تحته النار! إن إلهًا يستوي مع حجارة تحمل قِدْرًا ويشعل عليها النار لإله لا قيمة له، ومع ذلك أصبح يُسيِّرحال هؤلاء ويعلقون مصيرهم وحياتهم في دنياهم وآخرتهم بهذه الحجارة التي هم يختارونها.

وربما كان إلهًا مصنوعًا مما يؤكل ويطعم، فتلم بهؤلاء مجاعة فيشعرون أن المحافظة على بقائهم خير من بقاء إلههم فيأكلونه، كما يحكي الشاعر مصورًا حال قبيلة من تلك القبائل:

أكلت حليفة ربها زمن التقحم والمجاعة * لم يحذروا من ربهم سوء العواقب والتباعة

نعم إن إلهًا يأكله هؤلاء إذا جاعوا لإله لا قيمة له ولا وزن له، ومع ذلك كانت هناك الطواغيت الكبرى، كانت هناك اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى )أفرأيتم اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى ( كان هناك ود وسواع وإساف ونائلة، كانت تلك الأصنام التي تصنع لها البيوت ويحج إليها الناس ويسعون إليها وتنذر لها النذور وتقدم لها القرابين، و يستقسم بها أولئك ويحلفون بها ويعظمونها ولهذا كانت يمينهم واللات والعزى.

إن هذه الصورة العجيبة من خضوع هؤلاء لآلهة يصنعونها وآلهةً ربما يأكلونها إذا جاعوا، لتدل على فطرة العبودية أصلًا لدى البشر، وأن البشر مفطورون على العبودية والذل والخضوع، فإن لم يعرف البشر إلههم الحق ويتعبدوا إليه فسيتعبدون لإله باطل، بل إله يصنعونه وهكذا خلق الله عز وجل الإنسان عبدا لاتستقيم حياته إلا بالعبودية والذل والخضوع، فإما أن يذل ويخضع ويعبد ربه تبارك وتعالى أو حتمًا سيذل ويخضع ويتعبد لغير الله عز وجل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت