فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
كانت الهجرة نقلة نوعية عظيمة وفتحًا كبيرًا للإسلام بل تغييرًا لوجه الأرض بأكمله، تلك الأرض التي كانت تئن من ظلم الظالمين وجهل الجاهلين، وعبث العابثين وشرك المشركين. كما كانت فرجًا ومخرجًا وعزًا ومنعة للمسلمين، فأصبحوا بعدها أصحاب دار وقرار، وعز وقوة وأمان، وفي ذلك يقول الحق جل وعلا مثنيًا على نفسه، ومذكرًا الصحابة بهذه النعمة عليهم: (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون) (الأنفال - 26) .
وجيل النصر هذا الذي خرجته الهجرة المباركة مثال حي للمسلم الواعي صاحب الفكر الراسخ والعقل الناضج، والعقيدة المتينة، صاحب المنهج السليم الذي لا يساوم فيه ولا يحيد عنه ولا يتذبذب ولا يروغ عنه روغان الثعلب، بل يقنع ويعتد بمنهجه الأصيل الذي هو كالذهب، لا تزيده الابتلاءات والمتاعب إلا إشراقًا ولمعانًا.
وثيقة تربوية
كما أن حادث الهجرة المباركة وثيقة تربوية مهمة، فحواها أن الإسلام لا يكتفي بالصلاة والصيام ونحوهما من العبادات رغم أهميتها العظمى فيه، حتى إنها عُمده الراسخة ودعائمه القوية، بل يريد من المسلمين مع ذلك أن يقيموا الإسلام عاليًا في نفوسهم، وأن يقيموا منهجه وأنظمته وآدابه وفضائله في بيوتهم، وأسواقهم ومحال أعمالهم ومدارسهم وجامعاتهم، ودواوين حكمهم. مستهدفين الصلاح والإصلاح، وإيجاد المسلم الجدير بحمل رسالة الله، والكفيل بأداء الأمانة التي حملها الله إياها على أكمل وجه (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولًا(72) ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورًا رحيمًا) (الأحزاب 72- 73) .
رمز للإخاء الصادق
أبرزت الهجرة المباركة كثيرًا من المعاني السامية وأرست العديد من المبادئ العظيمة، منها مبدأ الإخاء الإسلامي الذي قامت على دعائمه دولة الإسلام.
وقد أثنى الله عز وجل على هذه الصورة الوضيئة الطاهرة من الأخوة الحقة، وصوّر حالة أصحابها ونفسياتهم أروع تصوير، بما يجعل المسلم يفخر بهذه النوعية من البشر التي ربما لا يجود الزمان بمثلها، وهذه القمم السامقة التي تجعل المسلم يحاول الارتقاء إليها، قال سبحانه: ( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون(8) والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) (الحشر 8-9) .
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح
ولقد أسقط هذا الإخاء فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتقدم أحد إلا بتقواه، ولا يولى أحد إلا بإيمانه وإخلاصه، وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأخوة واقعًا حيًا تنطق به الأعمال، لا لفظًا سطحيًا، عملًا يرتبط ببذل الدماء والأموال، لا كلمات تثرثر بها الألسنة، وتتشدق بها الأفواه، ثم تذهب الكلمات أدراج الرياح.
بهذه الوحدة وبتلك الأخوة اتحدت كلمة المسلمين وقويت شوكتهم وارتفعت رايتهم، فسادوا الأمم وفتحوا الممالك وركزوا ألويتهم في قلب آسيا وهامات إفريقيا، وأنحاء أوروبا.. ثم .. لما حادوا وضعفوا ونكصوا وتفرقوا ضاعت مكانتهم وصاروا كالأيتام على موائد اللئام، وتداعت عليهم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها.
وإننا في أشد الحاجة إلى استلهام روح الهجرة العاطرة، حتى نرقى ونسعد أنفسنا ونسعد البشرية كلها: ( ويومئذ يفرح المؤمنون(4) بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم (5) وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (الروم 4-6) .
دروس وعبر
وما أكثر الدروس التي يمكن أن نستفيدها من الهجرة ومنها:
عدم اليأس من بلوغ الأهداف والغايات مهما طال الطريق أو كثرت العقبات، فإن أشد لحظات الليل حلكة تلك التي تسبق الفجر، وإن أشد ساعات المخاض ألمًا تلك التي تسبق الوضع. والأمر كله لله تعالى: ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير) (آل عمران 26) .
لا نصر إلا بصبر وتضحية وبذل. وكم قدم المسلمون الأوائل من تضحيات طوال الثلاثة عشر عامًا حتى تحقق لهم النصر والأمن.
الصدق والوفاء بالعهود والمواثيق ورد الأمانات إلى أهلها، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين خلف عليًا ليرد الودائع إلى أهل مكة رغم كل ما فعلوا به وبأصحابه رضوان الله عليهم.
التوكل على الله حق التوكل مع التخطيط الجيد والأخذ بكل الأسباب المادية في الوقت ذاته.