فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
23-إصلاح العقائد الباطلة والسلوك المنحرف، والتربية على العقيدة الصحيحة والأخلاق الحميدة: فلقد كان العالم يتخبط في ظلمات بعضها فوق بعض: ظلمة من الجهل، وظلمة من دناسة الأخلاق، وظلمة من منكر الأعمال، فبعث الله المصطفى- صلى الله عليه وسلم -ليخرج الناس من هذه الظلمات إلى نور يسعى بين أيديهم في الحياة الأولى، ويهديهم إلى السعادة في الحياة الأخرى؛ فلقد أتى النبي- صلى الله عليه وسلم -بكتاب عظيم مُصلحٍ للعقائد والأخلاق والأعمال، ومنظم لجميع شؤون الحياة، فَتَدَبَّرَتْهُ فئة قليلة واتخذته قائدَها المطاعَ، فكانت خير أمة جاهدت في الله وانتصرت، وغلب فرحمت، وحكمت فعدلت، وساست فأطلقت الحرية من عقالها، وفجرت ينابيع المعارف بعد نضوبها.
واسألوا التاريخ؛ فإن هذه الأمة قد استودعته من مآثرها الغُرِّ ما بَصُرَ بضوئه الأعمى، وازدهر في الأرض ازدهار الكواكب في كبد السماء، فلقد جاهد المصطفى- صلى الله عليه وسلم -الجَهْلَ، وشرُّ الجهل عدمُ معرفة مبدع الكائنات وتركُ التوجه إليه بشتى القربات، وجاهد الأخلاق الرذيلة؛ فكرَّه للنفوس الجزع، والجبن، والبخل، والصَّغار، والكبر، والقسوة، والأثرة، وعلَّمها الصبر، فهان عليها كل عسير، وعلَّمها الشجاعة؛ فحقُرَ أمامها كلُّ خطير، وعلمها الكرم؛ فجادت في سبيل الخير بكل نفيس، وعلمها العزة؛ فسمت إلى كل مقام مجيد، وعلمها التواضع فتألَّفت كلَّ ذي قلب سليم، وعلمها الرّحمةَ، والرّحمةُ رباط التآزر والتعاون على تكاليف الحياة، وعلمها الإيثَار، والإيثارُ من أقصى ما يبلغه الإنسان من مراتب الجود.
فهذا الدين أحدث تحولًا عامًا في حياة الفرد والجماعة، بحيث تغير سلوك الأفراد اليومي، وعاداتهم المتأصلة كما تغيرت نظرتهم إلى الكون والحياة والحكم على الأشياء.
وهذه المعاني إنما تجلت أعظم التجلي بعد الهجرة النبوية الشريفة المباركة.
ونحن اليوم محتاجون-من معاني الهجرة وأهدافها وحكمها-إلى ما نصلح به ما فسد من عقائد المسلمين، وإلى أن ننخلع في بيوتنا عن الآداب التي تخالف الإسلام، وأن نُعيد إلى هذه البيوت الصدق، والصراحة، والنبل، والاستقامة، والاعتدال، والتواضع، والعزة، والكرم، والتعاون على الخير، إلى غير ذلك من المعاني السامية؛ فالبيت الإسلامي وطن، بل هو دولة إسلامية، وقبل أن نبدأ في علاج الأمة يجب أن نبدأ بالأقرب فالأقرب؛ فنبدأ في بيوتنا، فنهاجر نحن ومن فيها إلى ما يحبه الله، وننخلع عن كل ما لا يرضيه-عز وجل-ثم نتحرى في مجتمعاتنا أنظمة الإسلام وآدابه، ونهجر كل ما خالفها مما اقتبسناه من غيرنا، وخَذَلْنا به مقاصد الإسلام، فضيَّعنا أغراضه الجوهرية.
وإذا أخذنا بهذه التربية، وتأصَّلت في أذواقنا وميولنا،
وتَعَوَّدْنَا العمل بها في شتى الميادين-لم تلبث أوطان المسلمين أن تتحول من أوطان عاصية لله إلى أوطان مطيعة لله، ومن أوطان تسود فيها الأنظمة التي تسخط الله إلى أوطان تسود فيها الأنظمة التي ترضي الله، فيكون لهذا الأسلوب من أساليب الهجرة مِثْلُ الآثار التي كانت لهجرة النبي- صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الأولين.
قال-عليه الصلاة والسلام: (المهاجر من هجر السيئات) ، وقال: ( المهاجر من هجر الخطايا والذنوب) .
ولما قيل له: ما أفضل الهجرة ؟ قال: (من هجر ما حرَّم الله) .