فهرس الكتاب

الصفحة 11375 من 27345

أحدهما: حِفْظُ الله للعبد في دينه وإيمانه بحفظه من الشبهات المضلةِ ومن الشهوات المحرمةِ بالحيلولةِ بينه وبين ما يُفسد عليه دينَه { كَذالِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوء وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } .

الثاني: حفظٌ له في مصالحِ دنياه ، كحفظه في بدنه وولدِه وأهله وماله لَهُ { مُعَقّبَاتٌ مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ } قال ابن عباس رضي الله عنهما ( الملائكةُ يحفظونه بأمر الله ، فإذا جاء القدر تخلوا عنه ) وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله في كتابه جامع العلوم والحكم"ومن عجيب حفظ الله لمن حفظه أن يجعلَ الحيواناتِ المؤذيةَ بالطبعِ حافظةً له من الأذى كما جرى لسفينةَ مولى النبي حيث كُسِرَ به المركب وخرج إلى جزيرة ، فرأى الأسد ، فجعل يمشي معه حتى دله على الطريق".

ثالثا: أن الله يحفظُ ذريةَ العبدِ الصالحِ بعد موته ، كما قال جل وعلا { وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا } قيل: إنهما حُفظا بصلاحِ أبيهما ، كما قال جل وعلا { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا } ومن حَفِظَ الله في صِباه وقوتِه حفظه الله في حال كِبَره وضعفِ قوته ، ومتعه بسمعه وبصره وحولهِ وقوته ؛ جاوزَ بعضُ السلف المائةَ سنة ، وهو مُمتَّع بقوته وعقله ، فوثب يومًا وثبةً شديدةً فقيل له: ما هي هذه الوثبة ؟ فقال"هذه جوارحٌ حفظناها عن المعاصي في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر".

رابعا: إن الأمةَ على مستوى آحادها ومجتمعاتها ، وبمختلف مسؤولياتها وتنوُعِ مكانتها ، متى حفظت دين الله ، فحققت الإيمانَ الصادقَ به ، واستسلمت لأمره في كل شأن ، وتخلَّصت من أهواءِ النفوس وشهواتِ القلوب ، وكانت أحوالُها السياسيةُ والاقتصاديةُ والاجتماعيةُ وغيرُها على مقتضى منهج الله وسنةِ رسول الله فجعلت الإسلامَ الصافيَ منهجًا كاملًا لحياتِها في كل أطوارِها ومراحلها وفي جميع علاَقاتها وارتباطاتها وفي كل حركاتها وسكناتها ، تحقق لها حِفْظُ الله من كل المكاره والمشاقِ والأزمات والمحن التي تعاني منها ، ويحصُلُ لها عندئذ الأمنُ والاستقرار والعزةُ والانتصار {الَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } ومتى استغرق الإيمانُ بالله والاهتداءُ برسوله ذلك حياتَها وسادَ توجهاتِها وقادَ تحركاتها حصل لها الأمنُ بكل مقوماته وشتى صوره ، أمنٌ من الأعداءِ والمخاطر ، ومن المخاوفِ والأضرار ، أمنٌ سياسي واقتصادي واجتماعي ، فمتى ما قام المسلمون جميعًا بحقائقِ دينهم ومبادئِ إسلامهم وجانبوا الأهواءَ والشهوات ، وعملوا بصدقٍ للإسلام مع الأخذِ بالأسباب وإعدادِ العدة ، والأخذِ بالوسائل ، عندئذ يمكنهم الله من الأرض ، ويقوي شوكتَهم ، ويُعزُ كلمتَهم ، ويُرْهبُ بهم أعداءهم ، ويُعِمُّ لهم الخيرُ والعدلُ والسلام { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ } .

خامسا: إن الأمةَ متى وقع بها البلاءُ وقاست الابتلاء ، وخافت فطلبت الأمن ، وذلت فطلبت العزة ، وتخلفت فطلبت الاستخلاف والاستقرار ، فلن تجد لذلك سبيلًا وطريقًا ولن يتحققَ لها شيءٌ مما تبتغي وتطلب حتى تقوم بشرط الله جل وعلا من القيامِ بطاعة الله ورسوله ، والرضا التامِ بشريعةِ الإسلام ، وتحقيقِ النهجِ المرتضى ، فحينئذ يرتفع عنها الفسادُ والانحدار ، ويزول منها الخوف والقلق والاضطراب ، ولن تقفَ إذًا في طريقِها قوةٌ من قوى الأرض جميعًا { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت