فهرس الكتاب

الصفحة 11399 من 27345

إذن فالقعود عن المشاركة في الأعمال الدعوية وعن إنكار المنكرات وعن تعليم ما يحتاجه الناس هو إخلال بالورع الواجب، وهو مجلبة لاستحقاق لعنة الله سبحانه وتعالى ولعنه اللاعنين، وهذا من كيد الشيطان ببعض المتدينين والعابدين.

الأمر الرابع: الورع عن القول على الله بغير علم

وكما أن المسلم يجب أن يتورع عن كتمان العلم وترك بيانه، فعليه أن يتورع من أن ينطبق عليه قول الله تعالى: ]وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون] أو قوله عز وجل: [ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كان عنه مسؤولًا] ،وعليه أن يعلم أنه مسؤول أمام الله عز وجل عن كل كلمة يقولها، فيبذل جهده ووسعه في البحث عن الحق والله سبحانه وتعالى يغفر له، بل هو مأجور على اجتهاده.

وحينما تريد أن تقول كلمة تنقل عنك أو تريد أن تنكر منكرًا أو تأمر بمعروف فعليك أن تسأل نفسك هل هذا مما يرضاه الله ويرضاه رسوله صلى الله عليه وسلم؟ هل هذا مما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ هل هذا من الحق الذي لا مرية فيه؟ أم أن ثمة مداخل فعليه أن يتورع ويعلم أنه موقِّعٌ عن رب العالمين.

الأمر الخامس: التورع في الأنشطة الدعوية والتربوية

يقع بعض المربين في مخالفات شرعية ظاهرة واضحة، وكثيرًا ما ننسى الضوابط الشرعية المهمة في مثل هذه الميادين، فمن ذلك أن نتصور أن المربي ينبغي أن يعلم من أحوال من يربيه أمورًا كثيرة، فيعطي نفسه صلاحيات واسعة تتيح له تجاوز كثير من الضوابط الشرعية.

إن الأصل أن أعراض الناس محفوظة لا يجوز الحديث عنها، ولا ذمهم ولا غيبتهم، وحين تأتي حاجة تتيح ذلك فإنها ينبغي أن تكون محصورة في هذه الدائرة، فأحيانًا يغفل المرء عن هذا فيتوسع في مثل هذه الميادين، وتتحول الحاجة إلى قاعدة عامة، وننسى أن أعراض المؤمنين أعراض محفوظة، وأن الحديث عنهم في غَيْبَتهم داخل في قول الله سبحانه وتعالى: [ولا يغتب بعضكم بعضًا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه] والتطلع على دقائق أمور الناس وخفاياهم أمر حرمه الله عز وجل فقال: [و لا تجسسوا] ، وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه مأمور بأن يعامل الناس على ظاهرهم فقال:"إني لم أؤمر أن أنقب عن بطون الناس"وتوعد صلى الله عليه وسلم من تتبع عورات الناس بقوله:"من تتبع عورات الناس تتبع الله عورته حتى يفضحه الله ولو في جوف بيته"، وهذا نص عام يخاطب كل الناس، ومن يتولى أمرًا أو مسؤولية لا يعفيه ذلك من هذا الخطاب.

وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى في نهيه أن يطرق الرجل أهله ليلًا، وعلل ذلك بقوله: لئلا يتخونهم يطلب عثراتهم، مع أن مسؤولية الزوج عن زوجته أولى من مسؤولية هذا العلم عن طالبه .

وقال صلى الله عليه وسلم:"غيرتان يحبهما الله ورسوله، وغيرتان يبغضهما الله ورسوله، فالغيرة التي يجبها الله ورسوله الغيرة في ريبة، والغيرة التي يبغضها الله ورسوله الغيرة في غير ريبة".

فينبغي أن نراجع أنفسنا في أعمالنا الدعوية وفي جهودنا ووسائلنا وبرامجنا، هل هي تنضبط بالضوابط الشرعية أم لا؟ ويجب أن نعرف أن الداعية والمربي غير معفى من النصوص الشرعية، وأنه مخاطب بها شأنه شأن سائر الناس.

وقد يظن بعضهم أن في هذا الأمر مصلحة شرعية، ولو كان كذلك لأجازه النبي صلى الله عليه وسلم للزوج ولاستجاز أن يستمع لمن يخبره عن أصحابه، فقد قال صلى الله عليه وسلم:"لا أحب أن يبلغني أحد عن أحد شيئًا".

إن الواجب على الداعية أن يتعامل مع الظاهر، والظاهر مرآة للباطن في الغالب؛ فما يسره الإنسان لابد أن يظهر على جوارحه.

وصورة ثانية من الإخلال بالورع الشرعي الواجب ما نراه الآن من كثير من الدعاة على مستوى العالم الإسلامي من أعمال وتصرفات وتجاوزات فيها مجاوزة لحدود الله عز وجل، كالتحالف مع الأحزاب العلمية، بل وجد من الدعاة من يثني على الاشتراكيين ويثني على الشيوعيين، أو الترخص في كثير من الأحكام الشرعية كالاختلاط وسفر المرأة دون محرم، وغير ذلك.

ويجب أن نتساءل هل نحن نراجع برامجنا ووسائلنا وفق الضوابط الشرعية ابتداء ؟ أم أننا نذهب لتسويغها بعد أن نعملها؟ ففرق بين صورتين:

الأولى: أن نتخذ القرار، ثم نذهب للبحث عما يسوغه ويبرره، والثانية: أن نأتي متجردين لله عز وجل ونبحث ورائدنا هو الحق.

إن أي إنسان صاحب هوى يستطيع أن يصرف النصوص الشرعية كما يشاء، فإذا قررت أمرًا ثم ذهبت بعد ذلك تبحث له عن مسوغ شرعي فسوف تجد ألف شبهة وشبهة، كما يقول أحد علماء السوء:أعطوني أي قانون من القوانين المترجمة عن الفرنسية والإيطالية فأخرجها لكم على الفقه الحنفي أو على الفقه المالكي.

ومن ذلك أن يكون التأصيل الشرعي قضية لاحقة، إنما جاء إسكاتًا لأولئك الذين تساءلوا: ما مدى الانضباط الشرعي في هذا العمل؟ وما مدى اتفاقه مع الضوابط الشرعية والمنهج الشرعي؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت