والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَّ خَطًّا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: [ هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ مُسْتَقِيمًا ثُمَّ خَطَّ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ السُّبُلُ وَلَيْسَ مِنْهَا سَبِيلٌ إِلَّا عَلَيْهِ شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ ثُمَّ قَرَأَ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[153] سورة الأنعام]
معنى الصراط: هو منهج عملي كامل، فلا يوجد تصرف من تصرفات الإنسان ليس لله فيه حكم مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [38] {سورة الأنعام . } وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [89] سورة النحل . فيقول لك: هذا مباح فاعمله، وهذا واجب لابد أن تؤديه، أو هذا حرام إياك أن تفعله، أو هذا مندوب إن شئت فعلته؛ فلك أجره، أو هذا مكروه الأولى لك أن تتركه، فأعمال المكلفين تقع ضمن أحكام تكليفية، ما ينفك المكلف عن حكم الله، هذا معنى الصراط، فهو المنهج العملي، فالدين صبغة كاملة: كيف تتصرف تجاه الله، تجاه النبي، تجاه المؤمنين، تجاه الكفار، تجاه الزوجة، تجاه الأولاد، تجاه الناس، لا يوجد تصرف من هذه التصرفات إلا وفيه حكم، وبالتالي لابد من توحيد الصراط في العمل، وكذلك في المنهج التشريعي: صلاتنا واحدة، وصيامنا واحد، فقهنا واحد- ما أمكن بالطبع- توحيد الصراط، وهذا بلاشك لا يعني التطابق التام في كل صغيرة وكبيرة؛ لأن في قضايا الإسلام صبغة عامة.
ولا يمكن أن يتطابق المسلمون حول كل تصرف من التصرفات، وبالتالي لا بد أن يكون هناك اختلاف في بعض القضايا الاجتهادية، لكن الله أرشدنا فقال: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [10] { سورة الشورى. وقال تعالى: } فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [59] سورة النساء.
فعندنا إذا اختلفنا مركز اللقاء في كلام الله وكلام رسوله؛ هذا هو المرجع، لا عقلي ولا عقلك، ولا عرفي ولا عرفك، ولا أخلاق قبيلتي وأخلاق قبيلتك، إنما المرجع إذا اختلفنا هو كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، كل أحد بعد النبي يؤخذ من قوله ويرد عليه .
المسلمون اليوم مختلفون في المنهج التشريعي: في مسائل العبادات، ومسائل العمل، و الحرام والحلال، ولابد من محاولة جمع شمل الأمة الواحدة، لابد أن يكونوا متفقين في هذا، فتوحيد الصراط مهم جدًا، و قد كان الصحابة يختلفون في بعض الأمور، ولكن في الأمر الجامع لا يختلفون: اختلفوا في قضية الإتمام في السفر، إتمام الصلاة الرباعية، فهذا عثمان رضي الله عنه كان يتم وهو في الحج، فأفتوا بخلافه، ولكن عندما كان يقوم للصلاة، كانوا يصلون خلفه أربعًا، فقال بعضهم: كيف تفتون أن الصلاة اثنتان وتصلون أربعًا، فقالوا: [سبحان الله أمير المؤمنين!!] والمعنى: لابد من اجتماع الكلمة، ولا يجوز الخلاف، وهذا لا يكون إلا بتوحيد الصراط، لا يكون إلا بالتحاكم في كل خلاف صغير وكبير إلى كلام الله وكلام النبي صلى الله عليه وسلم، وأن كل إنسان يؤخذ من قوله ويرد عليه، وأنه لا عصمة إلا لكلام الله وكلام النبي، وهذا أمر هام، لأن الله عز وجل يقول: وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [46] سورة الأنفال. لأنه بالتنازع والاختلاف؛ يكون الفشل وذهاب الريح، ولابد من توحيد صراط الأمة وهذا بتعليمها مناهج الإسلام كلها حتى يظهر في الأمة النموذج الكامل للإسلام.
الوصية الثالثة:التربية والتزكية هي السبيل لإنشاء الجيل الذيينصر الله به الأمة، ويعز به الإسلام