فهرس الكتاب

الصفحة 11667 من 27345

6-وأختم في ذكر مبررات العودة إلى مقاصد الشريعة في كشف الخلل الفكري في بنية العقل المسلم؛ بالتأكيد على دور الوعي المقاصدي في حفظ العقل من الشطط أو الانحراف بتأسيس قواعد الكشف عن الموهوم والمظنون والمردود والمرجوح. وهذه القواعد هي في بنيتها معايير عقلية راجعية إلى مقاصد الشرع وكلياته.

يقول العز بن عبدالسلام -رحمة الله- من أن تصرفات الناس العامة لا تخلو في كونها من قبيل المصالح أو المفاسد ولضبط هذه الأفعال قال -رحمه الله-:"الأفعال ضربان: أحدهما المصالح وهي أقسام:"

(احدهما) ما هو مصلحة خالصة من المفاسد السابقة واللاحقة والمقترنة و لا يكون إلا مأذونًا فيها إما إيجابا أو ندبًا أو إباحة (القسم الثاني) ما هو مصلحة على مفسدة أو مفاسد وهي ما دونه. (القسم الثالث) ما هو مصلحة مساوية لمفسدته أو مفاسده. ( القسم الرابع) ما هو مصلحة مساوية لمصلحة أو مصالح فإن أمكننا الجمع جمعنا وإن تعذر الجمع تخيرنا، ومهما تمحصت المصالح قدمنا الأفضل فالأفضل، والأحسن فالأحسن ولا نبالي بفوات المرجوح.

الضرب الثاني: المفاسد وهي أقسام:

(أحدها) ما هو مفسدة خالصة لا يتعلق بها مصلحة سابقة ولا لاحقة ولا مقترنة، فلا تكون إلا منهيًا عنها، إما حظرًا، وإما كراهة. (القسم الثاني) ما هو مفسدة راجحة على مصلحة أو مصالح وهي منهية. (القسم الثالث) ما هو مفسدة مساوية لمصلحة أو مصالح، فإن أمكن درء المفسدة وجلب المصلحة أو المصالح قلنا بذلك وتركنا المفسدة وأثبتنا المصلحة أو المصالح. وإن تعذر الجلب والدرء ففيه نظر. ( القسم الرابع) ما هو مفسدة مساوية لمفسدة أو مفاسد فإن أمكن درء الجميع درأناه وإن تعذر تخيرنا ومهما تمحصّت المفاسد درأنا الأرذل فالأرذل والأقبح فالأقبح" (7) ."

ونظرًا لصعوبة الترجيح في المصالح والمفاسد المتعارضة سطر لنا كذلك علماء القواعد والفقه قواعد فقهية تساعد على الترجيح بين المصالح والمفاسد المتعارض، يحفظها الفقيه ليفتي بها ويحفظها غيره ليتزن على وفقها، ومن أمثال هذه القواعد:

درء المفاسد مقدم على جلب المصالح - تفوت أدنى المصلحتين لحفظ أعلاهما - المصلحة العامة تقدم على المصلحة الخاصة- الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف- الضرر لا يزال بمثله- يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام- الضرورات تبيح المحظورات- الضرورات تقدر بقدرها- إذ تعارضت مصلحتان أمام الفرد، فعليها أن يقدم المصلحة المتعلقة بأمر ضروري على الحاجي والحاجي على التحسيني وإذا تعارضت مصلحتان في نفس الرتبة تقدم مصلحة حفظ الدين على حفظ النفس والنفس على العقل والعقل على النسل والنسل على المال. وإذا تعارضت مصلحتان في نفس المرتبة وتتعلق بنفس الأمر تقدم المصلحة العامة التي تتعلق المجموع على المصلحة الخاصة - المتعدي أفضل من القاصر والفرض أفضل من النفل_ لاعبرة بالظن البين خطؤه - ويغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد. إلى غير ذلك من القواعد المنظّمة للعقل والمؤسسّة لمنهج التفكير الموضوعي القائد نحو مدارج الرقي المعرفي والمنتج للعمران الحضاري .

(1) الموافقات 3 / 23 و 24 .

(2) المقصود بالقواعد هنا: الضروريات والحاجيات والتحسينيات ، انظر: حاشية الموافقات 2 / 79 .

(3) الموافقات 2 / 82 .

(4) 41) انظر: مقاصد الشريعة للطاهر بن عاشور ص 50-52.

(5) انظر: المقاصد العامة للشريعة لعز الدين بن زغيبه ص 78.

(6) مقاصد الشريعة لابن عاشور ص 59، 60.

(7) قواعد الاحكام في مصالح الانام ص 56 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت