فهرس الكتاب

الصفحة 11669 من 27345

وقد أخرج الإمام مسلم من حديث أبي هريرة أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أكبر عند الله قال: (( أن تدعو لله ندا وهو خلقك قال ثم أي قال أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك قال ثم أي قال أن تزاني حليلة جارك ) ) (5) .

مما تقدم ذكره يتبين لنا خطورة الوقوع في الزنا، ولذلك حارب الإسلام هذه الجريمة وقفل كل الطرق المؤدية إلى الوقوع فيها كالخلوة بالأجنبية وفي ذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم:

(( لا يخلون رجل بامرأة ولا تسافرن امرأة إلا ومعها محرم فقام رجل فقال يا رسول الله اكتتبت في غزوة كذا وكذا وخرجت امرأتي حاجة قال اذهب فحج مع امرأتك ) ) (6) .

ومنع الخلوة بالأجنبية خطوة واحدة من خطوات اتخذها الشرع لمحاربة هذه الجريمة التي سوف نستعرضها في الصفحات القادمة إن شاء الله وبه نستعين ونسأله التوفيق.

الفصل الأول

الإيمان وأثره في الوقاية من الزنا

يعرف الإيمان على أنه تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان. هذا هو مفهوم الإيمان عند أهل السنة والجماعة، ولذلك في كثير من الآيات ربط الله سبحانه وتعالى الأيمان بالعمل الصالح.

قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (7) .

قال القرطبي:"وفي الهدى الذي زادهم أربعة أقاويل: 1- زادهم علما. 2- أَنَّهُمْ عَلِمُوا مَا سَمِعُوا وَعَمِلُوا بِمَا عَلِمُوا. 3- زادهم بصيرة في دينهم وتصديقا لنبيهم.4- شرح صدورهم بما هم عليه من الإيمان."

يقول الإمام البخاري:"لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن الأيمان قول وعمل يزيد وينقص" (8) ولذلك عندما يبعد الإنسان عن الأعمال الصالحة من الصلاة وقراءة القران وبر الوالدين وصلة الرحم يسقط في هاوية المنكرات والآثام.

ولاشك أن الأيمان القوي بالله تعالى من أقوى أسباب الوقاية من الزنا ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ) ) (9) وعندما دعت امرأة العزيز نبي الله يوسف عليه السلام للزنا حجبه إيمانه من الوقوع في الفاحشة. قال الله تعالى: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ(10) .

وكثير من المجتمعات غير المسلمة وبعض المجتمعات المسلمة الزائغة اعتمدت على مواجهة الشهوات والأخطاء بمبادئ وأخلاق المجتمع نفسه النابعة من عرفه وتقاليده، ولكن ما لبث أن تكسرت هذه المبادئ أمام الفتن والأهواء وفشلت هذه المجتمعات في تعليم أبنائها المبادئ الصحيحة. لابد لهؤلاء أن يعلموا أن الإيمان القوى بالله تعالى واتباع منهجه هو وحده الذي يصمد أمام كل الشهوات الجارفة، ولذلك في تلك المجتمعات كانت النتيجة واضحة في زيغهم ووقوعهم في فتنة الزنا والفواحش، وهذا دليل على أنه سبحانه وحده القادر على وضع نظام كامل شامل ابدي وكل من يحاول تكسير قوانينه ونظمه سواء أكان من المسلمين أم من غيرهم لابد له من الفشل قال الله تعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (11) .

إذا خاف العبد من الفتن والزنا وأراد أن يتقي منها فعليه بالإيمان بما عند الله سبحانه وتعالى من الجزاء والثواب ومراقبته له في السر والعلانية وقدرته عليه ثم يتبع ذلك بالعمل الصالح فانه يزيد من إيمانه ويفتح له أبواب الهداية. والأيمان ينقسم إلى عمل القلب والجوارح، أعمال الجوارح هي الصلاة والصوم والزكاة والحج وغض البصر وغيرها، وعند التحدث عن أعمال القلب نجد أن ثمرة تقوية الأيمان تتضح في الخوف من الله والحياء منه، وعلى الرجاء والرغبة في ثواب المتعفف وفي الصبر والزهد.

الخوف من الله والحياء منه:

قال العلماء يجب على العبد أن يكون بين الخوف والرجاء، الخوف من عقاب الله والرجاء لما عنده من الثواب، وهما كجناحي الطائر والحب رأسه.

قال الله تعالى:

(إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) (12) .

وقال الله تعالى:

(وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (13) .

ولذلك فيجب على المسلم أن يتقي الله ويستحضر مراقبه الله له، وأن الله يعرف سره وعلانيته، فهو الخالق المسيطر على الكون القادر على أخذ عباده وعذابهم ولكن الله يترك لهم مجالًا للتوبة والإنابة لكي يرجعوا ويتوبوا.

قال الله تعالى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُون) (14) .

وقال الله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد) (15) أي ما يتكلم بكلمة وإلا ولها من يرقبها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت