أيها المسلمون: ليس اليأس ولا التطير ولا التشاؤم من طبع المؤمن؛ لأن المؤمن يحسن الظن بالله -عز وجل- ويتوكل عليه، ويؤمن بقضائه وقدره، وقد ورد في الصحيح: (( يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب ولا عذاب) ثم بينهم فقال: ( هم الذي لا يسترقون ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون ) )متفق عليه. والرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يتفاءل ولا يتطير ويعجبه الاسم الحسن) كما روى ذلك الإمام أحمد وغيره وهو حديث صحيح.
فلم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- ييأس من شيء، بل كان دائم التفاؤل والاستبشار بتوفيق الله -عز وجل-.. حين يتعامل المؤمن مع الأحداث الهائلة التي تحصل له بمثل هذه الروح الزكية القوية، فإن الشدائد تتصاغر في حسه مهما عظمت، ويتولد في نفسه نوع من اللقاح الذي يعينه على مواجهة الشدائد والصعاب، ويوجهه للتعامل معها بواقعية بحيث يضع الأمور في نصابها، من دون تهويل ولا مبالغة.
أيها المسلمون: من العلل والأمراض النفسية المتفشية في كثير من الناس اليأس والجزع والحزن عند المصيبة، والفرح والبطر عند إقبال الدنيا! ويعود السبب إلى أن معظم البشر لا يضعون الأمور في نصابها، بل يميلون إلى التهويل والمبالغة في التعامل مع المشكلات، وقد صور القرن الكريم هذه الحالة في عدد من الآيات، منها قوله -تعالى-: {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوسًا } (83) سورة الإسراء. وقوله -تعالى-: {لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاء الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ} (49) سورة فصلت. وقوله -تعالى-: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} ( 9-10) سورة هود.
ومن رحمة الله -تعالى- بعباده المؤمنين أنه منَّ عليهم فشفاهم من هذه العلة، ووهبهم ما يعينهم على وضع الأمور في نصابها وأن تكون نظرتهم للحياة معتدلة من غير إفراط ولا تفريط، وقد صور القرآن الكريم حال المؤمنين هذه في أ عقاب الآيات المتقدمة من سورة هود بقوله -تعالى-: {إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} (11) سورة هود.
فاليأس لا يجوز في حياة المسلم؛ لأنه من صفات الكفار والذين لا يعرفون حقيقة دين الله -تعالى-.
اللهم إنا نعوذ بك من القنوط من رحمتك, ومن اليأس من الخير والفرج، يا رب العالمين.. هذا واستغفروا الله إن الله كان غفورًا رحيمًا.
الخطبة الثانية:
الحمد لله القادر على كل شيء، مفرج الكروب، وغافر الذنوب، وصلى الله على عبده ورسوله محمد النبي المحبوب، الذي بعث إلى الناس جميعًا، لإخراجهم من ظلمات الجاهلية إلى نور الإيمان والعلم والسعادة، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
عباد الله: لا نتصور مؤمنًا بالله وبالقرآن يجد اليأس إلى قلبه سبيلًا، مهما أظلمت أمامه الخطوب، واشتدت عليه وطأة الحوادث، ووقعت في طريقه العقبات، إن القرآن يضع اليأس في مرتبة الكفر، ويقرن القنوط بالضلال، قال -تعالى-: {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ} (56) سورة الحجر
وإن القرآن ليقرره ناموسًا كونيًا لا يتبدل، ونظامًا ربانيًا لا يتغير، سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلًا.. إن الأيام دول بين الناس، وإن القوي لن يستمر على قوته أبد الدهر.. والضعيف لن يدوم عليه ضعفه مدى الحياة.. ولكنها أدوار وأطوار، تعترض الأمم والشعوب، كما تعترض الآحاد والأفراد.. {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} (140) سورة آل عمران. وإن حكمة الله في ذلك أن يبلو المؤمنين، ويختبر الصادقين، ويميز الخبيث من الطيب، فيجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعًا فيجعله في جهنم، ويؤجر الصادقون الثابتون.. نصرًا وتأييدًا في الدنيا، ومثوبة ومغفرة في الآخرة.. {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ} (31) سورة محمد.
{أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} (142) سورة آل عمران
{أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ} (214) سورة البقرة.