ويوم حنين، عندما أذهل المسلمين هولُ المفاجأة فانفضّوا راجعين، وقف رسول الله في نفر من أصحابه وأهل بيته صامدين، ونادى فيهم، وأمر العباس أن يصيح بهم حتى سمعوا النداء فكرّوا عائدين ملبين: لبيك، لبيك .
على مثل هذا الفهم الواعي لعقيدة الإسلام وشريعته تبنى العقول، وتقوّم النفوس، وتشيد الأمم، وتقام الدول، وتزدهر الحضارات ويسود العدل وتختفي من المجتمعات مظاهر الظلم والفساد والعدوان، ومن حياة المسلمين أمارات الجُبن والتردد والخنوع .
ولا يضيرُنا عند ذلك ما يصفنا به أعداء الإسلام وزبانيته، من الحكام المأجورين، والعلماء المهزومين، والكتاب المضبوعين، من كوننا إرهابيين، نحب الإرهاب ونمارسه، ونشجّع العنف وندعمه، ونتغنّى بالشهادة في سبيل الله ونمنّي أنفسنا بها. فوالله ما قامت للإسلام دولته الأولى إلاّ بعد أن وُجِدَ أنصاره في المدينة، ولا حسم مكائدَ اليهود والمنافقين فيها، إلاّ قوة المسلمين، وقيادة رسول الله الحكيمة فيهم، ولا حملت رسالة الإسلام إلى نصف الأرض المعمورة يومئذ، سوى كتائب الجهاد التي باعت أنفُسًا تموت غدًا بأنفسٍ لا تموت أبدًا.
ولكن أنّى يكون ذلك بعد أن أزال الكفار الخلافة من حياة المسلمين، وأبعدوا الإسلام عن حياتهم، وحكموهم بأنظمة الغرب الباطلة، وحضارته الفاسدة، ومنعوا كل مخلص يعمل لعودة الحكم بالإسلام، بل طاردوهم وعاقبوهم مستخدمين مختلف الذرائع الواهية. وما درى هؤلاء وزبانيتهم أنّ مارد الإسلام العملاق قد صحا، ولن تستطيع قوة في الأرض بإذن الله أن تكبّله من جديد، بل سيمضي في العمل حتى يتحقق وعد الله للمسلمين بالنصر المبين.
يقول سبحانه وتعالى: { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ } [الصف/9] .
فسيظهر الله سبحانه وتعالى _عمّا قريب إن شاء الله_ دين الحق، وهو الإسلام، دين محمد B على كل الأديان والنُظُم والشرائع. والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين