فهرس الكتاب

الصفحة 11876 من 27345

فأخي وقرة عيني: إذا قلت لأحد في وجهه ما يكره ، فإن كان هذا على وجه النصح فهو حسن ، وقد قال بعض السلف لبعض إخوانه: لا تنصحني حتى تقول في وجهي ما أكره . فإذا أخبر ت أخاك بعيبه ليجتنبه كان ذلك حسنا ، ويحق لمن أُخبر بعيب من عيوبه ، يعتذر منها ، إن كان له منها عذر ، وإن كان ذلك على وجه التوبيخ والذنب فهو قبيح مذموم ، قيل لبعض السلف: أتحب أن يخبرك أحد بعيوبك ؟ فقال: إن كان يريد أن يوبخني فلا .

فالتوبيخ والتعيير بالذنب مذموم ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يثرب الأمة الزانية مع أمره بجلدها ، فتجلد حدا ، ولا تعير بالذنب ولا توبخ به . وفي الترمذي مرفوعا من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه (( من عيّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله ) ). فهل رأيت أخي شتان بين من قصده النصيحة وبين من قصده الفضيحة ، ولا تلتبس إحداهما بالأخرى إلا على من ليس من ذوي العقول الصحيحة .

( لا تعير بالذنب فتُعاقب به )

إن عقوبة من أشاع السوء على أخيه المؤمن ، وتتبع عيوبه وكشف عوراته ، أن يتتبع الله عورته ويفضحه ولو في جوف بيته ، من حديث وثلة بن الأسقع رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تظهر الشماتة بأخيك فيعاقبه الله ويبتليك . وقال ابن مسعود رضي الله عنه: البلاء موكل بالمنطق فلو أن رجلا عيّر رجلا برضاع كلبة لرضعها . ومن أعجب ما قرأت في ذلك ما حكاه ابن سيرين عليه رحمة الله عن قصته لما ركبه الدين وحبس به قال: إني أعرف الذنب الذي أصابني هذا عيرت رجلا منذ أربعين سنة فقلت له: يا مفلس . فأصابه الله بالدين والحبس ، سبحان الله من هذه المقالة التي قالها في أخيه ، فكم من مقالات قلناها ونقولها أعظم وأشنع من ( يا مفلس ) .

( لا تكن منافقا أو شبيها به )

بحمد الله أن السرائر مطلع عليها ربنا ، ولو أطلعنا عليها لما كان هناك عيش على الأرض .... اعلم رحمك الله أنه من أخرج التعيير وأظهر السوء وأشاعه في قالب النصح وزعم أنه إنما يحمله على ذلك العيوب ، إما عاما أو خاصا ، وكان في الباطن إنما غرضه التعيير والأذى ، فهو من إخوان المنافقين الذين ذمهم الله في كتابه ، فإن الله تعالى ذم من أظهر فعلا أو قولا حسنا وأراد به التوصل إلى غرض فاسد يقصده في الباطن ، وعد ذلك من خصال النفاق كما في سورة براءة قال تعالى:"والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون * لا تقم فيه أبدا "وقال تعالى:"لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم"الآية قيل إن هذه الآية نزلت في اليهود والمنافقين وهي خصالهم ، وهو أن يظهر الإنسان في الظاهر قولا أو فعلا ، وهو في الصورة التي أظهره عليها أحسن ، ومقصوده بذلك توصله إلى غرض فاسد الذي هو أبطنه ، ويفرح بحمده على ذلك الذي أظهر أنه حسن وهو في الباطن سيئ ، على توصله في الباطن إلى غرضه السيئ ، فتتم له الفائدة تنفذ له الحيلة بهذا الخداع .

ومن كانت هذه صفاته فهو داخل في هذه الآية ولا بد ، فهو متوعد بالعذاب الأليم ، ومثال ذلك أن يريد الإنسان ذم رجل وتنقصه وإظهار عيبه لينفر الناس عنه ، إما محبته لإيذائه لعدوا ته أو مخافته من مزاحمته على مال أو رياسة أو غير ذلك من الأسباب المذمومة ، فلا يتوصل إلى ذلك غلا بإظهار الطعن فيه بسبب ديني ، مثل أن يكون قد رد قولا ضعيفا من أقوال عالم مشهور فيشيع بين من يعظم ذلك العالم ، أن فلانا يبغض هذا العالم ويذمه ويطعن عليه فيغر بذلك كل من يعظمه ، ويوهمهم أن بغض هذا الراد وأذاه من أعمال القرب ، لأنه دب عن ذلك العالم ، ودفع الأذى عنه ، وذلك قربة إلى الله عز وجل وطاعة ، فيجمع هذا المظهر للنصح بين أمرين قبيحين محرمين .

أحدهما: أن يحمل رد هذا العالم القول الآخر على البغض والطعن والهوى وقد يكون إنما أراده به النصح للمؤمنين ، وإظهار ما لا يحل له كتمانه .

والثاني: أن يظهر الطعن عليه ليتوصل بذلك إلى هواه وغرضه الفاسد في قالب النصح والذب عن علماء الشرع .

( احسبها صح ، فلن تمكن حتى تصبر )

فمن بلي بشيء من هذا الأذى والمكر فليتق الله ويستعين به ويصبر ، فإن العاقبة للتقوى ، وكما قال تعالى بعد أن قص قصة يوسف وما حصل له من أنواع الأذى بالمكر والمخادعة (( وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ) )الآية .

والله الموفق للصواب ، وعليه قصد السبيل ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت