فهرس الكتاب

الصفحة 11882 من 27345

الصوت: أين ؟

هنا، بل هنا، بل بل … يا ويلنا أين الأطفال ؟ إنها لحظات حاسمة يقول بعضهم لبعض: أدركوا أطفالكم، وهكذا أخذوا يركضون في هذه الطريق وهذه الطريق، منهم من يصعد الجبال، ومنهم من يفتش في الوديان، ولكن لا سبيل، الأمهات يفقدن صوابهن وأخذن بتوبيخ الرجال، الرجال محتارون خائفون أين أبناؤنا ؟ لا جواب.

تملك أهل القرية الحزن، وانتابهم الندم، فقد شغلهم حب الدنيا عن أبنائهم فلذات أكبادهم وزينة الدنيا، يركضون في كل حي، ويفتشون هنا وهناك ولكن لا سبيل.

أما الأطفال فقد ارتفعت أصواتهم، واشتد بكاؤهم حتى خبت أصواتهم ولم يعد بمقدرتهم فعل أي شيء. وقد أيقنوا الموت واستسلموا له، وأخذت الحسرة تكبر في صدورهم والحزن يملئ قلوبهم على ما وصل إليه حالهم وما أوصلهم إلى ما وصلوا إليه، فلم يعد أمامهم سوى التطلع إلى رحمة الله، فهو الذي معهم ولا يفارقهم وبيده وحده إنقاذهم، وهكذا أخذوا يسبحون ويستغفرون ويسترجعون علهم يموتوا على ذكر الله فيفلحوا في الآخرة وقد خسروا الدنيا.

أما أهل القرية فلم يعرفوا لليأس طريقًا، ولم يهدأ لهم بال، ولم يتوقفوا عن البحث، فقد توحد صفهم ، وتعاونوا فيما بينهم، ونسوا ما كان منهم من خلافات وأحقاد، فقد أدركوا أن الدنيا بزينتها لا تسوي أطفالهم الذين هم فلذات أكبادهم، فلا زالوا يفتشون ويفتشون في كل مكان هنا وهناك وهنالك، حتى وصلوا إلى تلك الخيمة، خيمة العجوز المسكينة، يقف أحدهم ويصرخ بأعلى صوته: يا أهل هذه الخيمة هل مر عليكم اليوم أطفال ؟

العجوز بصوت ضعيف وقد تذكرت الطفلين: نعم وأخشى أن يكونوا ذهبوا إلى تلك المغارة الكبيرة .

أهل القرية: أي مغارة ؟

إنها هنالك على بعد ساعتين من هنا.

العجوز هيا أسرعوا قبل أن يموت الأطفال، ولكن عليكم أن تتزودا بالمصابيح والحبال فإنها مغارة كبيرة مظلمة خطيرة.

أهل القرية حسنًا جزاك الله خيرًا.

أهل القرية يسرعون نحو المغارة بأقصى سرعة يستطيعونها، أهل القرية أمام المغارة وقد غابت الشمس وازداد ظلام المغارة ظلامًا، أهل القرية يشعلون السرج، ويجعلون من ليل المغارة نهارًا، يدخل أهل القرية المغارة، يفتشون هنا وهنالك، ويصرخون أين أنتم يا أبناءنا ؟ ولكن لا جواب فقد استسلم الأطفال ولم يعودوا يسمعون شيئًا.

أهل القرية يصلون إلى الفتحة ويضيئونها ويدخل أناس منهم الفتحة ويسعون فيها هنا وهنالك، وإذا بهم يسمعون تسبيح الأطفال، يا بشرى إنهم الأطفال ، نعم إنهم الأطفال، ويا فرحة ما بعدها فرحة، فقد دبت الحياة في الأطفال من جديد بعد أن غمر قلوبهم اليأس ، وعمت الفرحة أهل القرية وأخذوا يعانقون ويقبلون أطفالهم، ودموع الفرحة ترتسم على جوههم ،يفرح الجميع بسلامة الأطفال، وقد أيقنوا أن ما يجمعهم في هذه القرية أكثر مما يفرقهم، وأنهم لا فرحة لهم إلا بتجمعهم واتفاقهم، وأن من أخطر الأسباب التي تحول دون سعادتهم وضياع أبنائهم تفرقهم واختلافهم، وتمسكهم بالدنيا، يأخذ أهل القرية أطفالهم ويعدون بهم إلى القرية بفرح وسرور ولسان حالهم يقول: لا خلاف بعد اليوم، ولا أنانية، ولا تفرق.

وهكذا أدرك أهل القرية أخطار التنازع وما يؤدي إليه، عاد أهل القرية بأبنائهم وقد تألفت قلوبهم، وتوحد صفهم، واجتمعت على الخير كلماتهم، وكأنما خرجوا إلى الحياة من جديد ………………………………….

وكتب: إبراهيم بن عبد العزيز

24/3/1425 هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت