فأوصي الزوجين: بالصبر وعدم العجلة حتى يتم التعارف والتآلف، وانظروا لهذا الزوج يقول- لقد كتب ذلك بيده-:' إليك تجربتي أرسلها لكل زوج وزوجة عسى أن تبعث المودة من بعد الموات: أنا شاب متزوج كان شرطي قبل الزواج أن أتزوج من فتاة فائقة الجمال وفقط، ولم أكن أريد شيئًا آخر غير ذلك، فخطبت من أكثر من عشرين بنتًا حتى تم الزواج، ولما كانت ليلة الزواج رأيتها؛ فلم أر فيها الجمال الذي كنت أطمح إليه ولا قريبًا منه، وكدت أصاب بالإحباط، بل حتى والدي لما رآها قال لي: إنها ليست جميلة، وفيها كذا وكذا من المواصفات غير المرغوبة، وكأنه يحثني على الفراق، فما كان مني إلا أن قررت الصبر قليلًا ثم يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، فرأيت أثناء هذه المدة من جمال روحها، وحسن عشرتها، وطيب تعاملها، وصدق محبتها، وطاعتها وحشمتها ودينها؛ ما جعلني لا أرضى بها بديلًا ولو أجمل فتيات الدنيا. وأكثر شيء يجذبني إليها أداؤها للصلاة في وقتها، وقيامها الليل، وسرعة تنفيذ ما أطلبه منها على أكمل وجه وبطيب نفس.. لا أكتم أنني أحبها الآن أكثر مما كنت أطمح إليه قبل الزواج من تلك الجميلة المزعومة، وإنما الجمال الحقيقي هو جمال الروح لا جمال الوجه المزيف، فهل يعي ذلك الشباب ويعي ذلك الفتيات؟! أرجو ذلك' انتهي كلامه .
وذكرني هذا بمن يقول: الزوجة الذكية هي التي تستطيع أن تزرع الجمال في قلب الرجل وإن لم تكن جميلة- تقولين: لي كيف؟- أقول: ينبغي أن تكون قادرة على الإلهام، والإيحاء، والإبداع في حياتها الزوجية، فتأملي أيتها المرأة.. قام جمال كلامها وخُلُقِهَا مقام جمال خَلْقِها، فهل تعين ذلك؟
أوهام الحب:
وأتمنى أن يتنبه لهذا المراهقون من الشباب والفتيات، الاندفاع وراء أوهام الحب لتأسيس الحياة الزوجية أمر يجب التنبه له ولخطورته فهو خداع فني وزيف إعلامي، تدغدغ به العواطف، وتثار به المشاعر، فالحب الحقيقي لا يمكن اكتشافه وظهوره إلا بعد الزواج، حيث تتاح الفرصة الحقيقية لإظهار المودة، وتبادل المنافع، وترجمة الكلمات المعسولة إلى عمل، والعقد الشرعي دليل على جدية هذا الحب، ودليل على صدق النوايا والمشاعر والعواطف، فالحب الجاد رجولة وتحمل للمسئولية. أما قبل هذا كله، ففي ادعاء الحب نظر، فالتغني والتغزل سهل ميسر لكل مدع، ولو أعطي الناس بدعواهم؛ لادعى الخلي حرقة الشجي، فلا يصدق الحب، ولا يتم إلا بعد الزواج، فبه تسكن النفس من الصراع.. ويكف النظر عن التطلع للحرام.. وتطمئن العواطف، فتخرج صادقة بريئة بما أحل الله، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج. وأما الحب الذي يصوره لنا الغناء، والقصص، والمسلسلات ما هو إلا نسيج أحلام تنشأ عن الأماني والتصورات، ويجعل الإنسان يري فيمن يحب صورة الرجل المثالي أو المرأة المثالية التي لا يمكن أن يحياها الإنسان في عالم الواقع والحقائق تقف في طريقه حجر عثرة، ومن أجل ذلك كان أكثر الناس فشلًا في الزواج ممن يسمون بالفنانين.
من محاضرة: بحر المودة للشيخ/ إبراهيم الدويش