فهرس الكتاب

الصفحة 11962 من 27345

الأصحاب الذين جاؤوا مبايعين دخل الإسلام إليهم حديثًا وجاءوا يبايعون رسول الله ويستخرجونه من بين أظهر المشركين هل تصوروا أن هذا الإسلام تمر يأكلونه أو شربة ماء عذبة يجرعونها؟ أبدًا.. تصوروا أنهم بمجرد التزامهم بالإسلام أهدروا نحورهم للناس جميعًا وأعلنوا الحرب على كل الفاسدين والمفسدين في كل مكان على وجه الأرض ومع ذلك أخذوه صلى الله عليه وسلم. أخذوه من أجل ماذا؟ هل سألوه ماذا لنا من الغنائم؟ هل سألوه هل ستحقق لنا الرخاء الاقتصادي؟ هل سألوه: هل سوف تُعِبَدنا أهل مكة أو ما شابه ذلك؟ لا. إنما سألوه ماذا لنا؟ قال: الجنة.. لا ثواب على الأرض لأن أحدًا لا يستطيع أن يعد بثوابٍ على هذه الأرض.. الثواب على الأرض عند الله متى أراده الله كان وإن شاء أن يمنعه عن عبد من عباده لم يكن وإنما يستطيع الداعي أن يعد بشيء واحد: الجنة - رضوان الله إشباعُ هذه النفس الخيرة ربطُها بأسمى ما في النفس الإنسانية من نوازع الخدمة العامة بلا منٍّ وبلا استعلاء وبلا طلب أجر وبلا طلب المثوبة من الناس.. طلب الجنة والأجر من الله تبارك وتعالى.

وإذًا بهذا نستطيع أن نعلم علمًا واضحًا أن الإسلام هو: هذا متاعب وآلام ومشقات وتعريض الرقبة للقطع والتعليق على المشانق وجلدٌ وضرب بالسياط وركض وراء الإنسان، وعبث به، وتشويه لسمعته.. كل هذه النوازع السافلة التي تحرك الإنسانية اليوم ستهيج مثل الزنابير على الذين يدعون إلى الله تبارك وتعالى هذا خير هذا هو بغير مداورة، وبغير مجاملة وبغير وعود مكذوبة ليس عندنا ما نقدمه للناس إلا الآلام، ليس عندنا ما نعد به النفس إلا الدم، ليس عندنا ما نعطيه للناس إلا التضحية بغير حدود بهذا فقط يمكن للداعي إلى الله أن يتعرض للدعوة وأن يتفوق في هذه المهمة الكبيرة، لا يمكن إلا من طريق الآلام أن تنجح الدعوة إن الله جل وعلا بَيَّن ذلك في محكم الكتاب بيانًا شافيًا لم يترك لإنسان أن يتصور غير هذا لا شيء إلا الألم، ولا شيء إلا المتاعب لكن النتائج دائمًا وأبدًا مضمونة بإذن الله تبارك وتعالى.

أيها الإخوة هذه -كما قلت- من قبل مقدمات وضعتنا في الصورة الصحيحة لخصائص الداعين إلى الله جل وعلا على ضوء سلوك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هذه مقدمات وضعت بين أيدينا أيضًا خصائص الدعوة بالذات وسوف نحاول بدءًا من الأسبوع القادم بإذن الله تبارك وتعالى، أن ندخل إلى صميم الموضوع فنرى بكل تدقيق وبكل أمانة علمية ورصانة فكرية، سنرى حين جهر محمد صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى أي شيء دعت الناس، أوليات الوحي هذه السور التي نزلت أول ما نزل من القرآن سورة العلق، سورة القلم سورة المدثر سورة المزمل سور أربعة سوف أحاول في الأسبوع القادم والذي يليه أن نتعرف إلى المهمات الرئيسة التي وضعت على كاهل النبي صلى الله عليه وسلم من جهة، وإلى المطالب الأساسية التي طلب إلى المجتمع الجاهلي المشرك أن يعتقد بها وأن يعتنقها ثم نشاء من بعد أن نقيس حجم رد الفعل كيف كانت استجابة المشركين تحت أية قوانين، تحت أية عوامل كانت المواقف الجاهلية ترجح وكيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يواجه هذه المواقف.

من هذه المقايسات والموازنات ومن محاولة التعرف إلى الوقائع بحجمها الصحيح سوف نصل إلى استخلاص القوانين الأساسية التي توصل المجتمع المسلم إلى بر الأمن والسلامة راجيًا من الله تبارك وتعالى أن يعيننا جميعًا على هذه المهمة الصعبة الثقيلة آملًا منكم جميعًا وقبل الجمعة القادمة أن يحاول كل منكم أن يفتح المصحف وأن يقرأ هذه السور الأربعة بعناية بتركيز وأن يحاول أن يفهم لماذا لأنني أريد منكم أن تشتركوا معي في هذه المهمة الصعبة.. أعترف بكل صراحة أنني لو كنت أقدَّر أن البحث هذا يصل إلى هذه النقاط، لأضربت عنه من أول الحديث لكن تورطت وما دمت قد تورطت، فتحملوا المسؤولية معي، فكروا أعينونا بآرائكم بتفكيركم ما أقوله كما قلت من قبلُ ليس هدفًا من غير خير ما نقدر عليه اجتهاد شخصي محاولة سبر غور قضية بطريقة عقلية بحتة ليس في أيدينا وحي ولا في أشخاصنا عصمة ونحن وإياكم نقف على أرض مشتركة إن قرأتم هذه السور وفكرتم بها وسمعتم ما أقول وفكرتم بما نسمع فسوف تنتج عندكم آراء أرجو أن أنتفع بها وتنتفعوا بها أنتم أيضًا والله جل وعلا ينفعنا جميعًا بما نقول وبما نسمع وألا يجعل ما نقول وما نسمع حجة علينا يوم تسقط جميع الحجج وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت