فهرس الكتاب

الصفحة 12141 من 27345

أيها المسلمون: إن من منة الله تعالى على الناس أن بعث فيهم بشرا مثلهم ، يأكل مما يأكلون منه ويشرب مما يشربون ، لا يحسون بمزية له عليهم سوى أنه يوحى إليه ، وأما في سائر شؤونه فلا يتعدى كونه بشرا مثلهم ، يضحك ، ويبكي ، ويصح ويمرض ، ويتزوج النساء ، ويقوم ويرقد ، ويجوع ويشبع ، أثبت ذلك كتاب الله تعالى وحيا منزلا: قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي . بل إن تعجب فعجب قولهم إن هذا إلا بشر مثلكم . وما كان ينبغي للبشر إلا أن يكون الرسول إليهم بشرا مثلهم ، ومن هنا لما طلب كفار قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بخوارق من الأمور المعجزات فقالوا: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا ، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا او تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ، ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه ، لما سألوا كل هذا تعنتا وعنادا ، وجهه الله تعالى لجواب قصير من جوامع الكلم ، فقال له: قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا . ومعنى هذا تنزيه الرب تبارك وتعالى أن يتقدم أحد بين يديه في أمر من أمور سلطانه وملكوته ، بل هو الفعال لما يريد ، وما أنا إلا رسول إليكم أبلغكم رسالة ربي وأنصح لكم ، وقد كانت بشرية الرسل مانعة لأقوامهم من الإيمان لاعتقادهم أن الرسول لا بد أن يتميز عنهم بما هو فوق البشرية فقالو: إن أنتم إلا بشر مثلنا ، وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ؟ وقالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة ، ونص المولى جل وعلا على هذا المانع فقال: وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا . وقال جل وعلا: أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا ؟ وأخبر سبحانه أن المرسل لا بد أن يكون من جنس المرسل إليهم: قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا . وبهذا يصبح البيان ناصعا بمنته جل جلاله في بعثته لنا رسولا منا كما قال سبحانه: لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين . أيها الأحبة: إن رفع الشخص فوق منزلته البشرية غلو ممقوت ، يقود إلى الضلال والإضلال ، والفساد والإفساد ، وقد ضل في ذلك أقوام غلوا في عيسى عليه السلام فجعلوه ابنا لله ، وقال بعضهم هو الله ، فعبدوه من دون الله ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وما ذاك إلا لرفعهم إياه عن منزلته البشرية . وغلا أقوام في علي رضي الله تعالى عنه ، وفي أئمتهم وسادتهم ، فقادهم ذلك الغلو إلى الشرك والكفر ، ومن يضلل الله فما له من هاد . وغلا أناس في الأولياء والصالحين فاعتقدوا فيهم ما لا يصح اعتقاده إلا في الله تعالى ، فظنوا أنهم يملكون الضر والنفع ، وأنهم يهبون الذرية لمن دعاهم ، أو نذر لقبورهم ، فدعوهم وهم أموات ، وغلوا فيهم وهم أحياء ، فاتخذوهم لله شركاء ، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور . ومن هنا فإن رفع الشخص فوق منزلته يقود إلى الغلو المنهي عنه ، حتى الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم فوق منزلته البشرية يقود إلى عبادته من دون الله تعالى . ولهذا فقد كان صلى الله عليه وسلم يغضب أشد الغضب حين يغلو فيه أحد أصحابه ، كما قال للرجل حين قال له: ما شاء الله وشئت ، فقال: أجعلتني لله ندا ، بل ما شاء الله وحده . وقال صلى الله عليه وسلم: لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله . وأمره تعالى أن ينفي عن نفسه أي صفة لا توافق بشريته وإنسانيته ، فقال: قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك ، قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء . إخوة الدين والعقيدة: إن مما يجب أن يؤصل في أيامنا هذه مسألة البشرية ، والواقعية ، فلقد أعيت أناسا لم يفهموها ، ولم يدركوها فغلوا من حيث لا يشعرون ، وقادهم هذا الغلو إلى الإفساد في الأرض ، وسوء الظن بالمسلمين ، وعدم الصبر على المسيئين ، وعدم عذر المذنبين ، وقادهم ذلك إلى التضييق على المسلمين ، وحجر الواسع على المكلفين . ومن ثمرات ذلك ، أعني التعامل مع الناس على أساس بشريتهم أن ننزل الناس منازلهم ، وأن نعرف لهم قدرهم ، وأن لا نحملهم فوق طاقتهم ، أو نرفعهم فوق منزلتهم . إنه لما غفل البعض عن بشرية المسلمين ، وحتى الكافرين طلبوا منهم ما يعجزون عنه فنشأ الخلاف والاختلاف والتباغض والتطاحن ، وبالتالي حمل بعضهم السلاح ، ونشر بعضهم لسانه في إخوانه قدحا وتحذيرا . ولا يكون هذا إلا ممن يطلب من الناس أن يكونوا ملائكة ، لا يعصون ، ولا يعجزون أو يخطئون . فلا يرى أن الحاكم بطبيعته بشر ، له شهواته ، ورغباته ، وأخطاؤه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت