ولذلك يفضل الكثير من المسئولين إحاطة أنفسهم بحاشية من أهل الثقة، لضمان بقائهم واستمرارهم في مناصبهم لأطول وقت ممكن، بغض النظر عن اعتبارات مصلحة البلاد أو العباد. فالمصلحة الشخصية عندهم أهم من أي شيء آخر.
ويشيع بين الناس مقولة، مفادها"إن الوزير إذا دخل الوزارة فقد نصف عقله، فإذا خرج منها، فقد عقله كله". وذلك مما يجده أثناء توليه لمهام منصبه من صلاحيات وامتيازات. فهو سيد مطاع، يخضع له الجميع بتنفيذ الأوامر، ويدين له الكل بالطاعة. فإذا خرج من الوزارة طاش لبه من فقدانه لكل ذلك النعيم الذي كان فيه، ومن تغير الناس له، وتنكرهم لشخصه.
ومن ناحية أخرى، بمجرد تولي الوزير لمهام منصبه، يلتف حوله حاشية من المسئولين، هدفها إحباطه عن أداء دوره، أو محاولة حبسه داخل مكتبه. وتعتبر هذه الحاشية من أهم أسباب فشل الوزراء. ويكون أفراد تلك الحاشية ممن يقلبون الأمور والصور، ليجعلوا من الصورة المضيئة صورة معتمة، أو من الصورة المعتمة صورة مضيئة، حتى تنقلب الموازين أمام الوزير. وهناك من الوزراء من يستسلم ويذعن، إلا أن هناك منهم من يرفض كل القيود المفروضة حوله، ويصر على نزع جدران مكتبه والانطلاق إلى مكاتب أفراد وزارته للتعرف بنفسه على المشاكل دون وسيط قد يغير من الصورة.
وتتنوع أهداف بطانة السوء من حجب الناس عن المسئول. فمنهم من يريد أن يقوى نفوذه ويكون هو صاحب الأمر والنهي. فالمسئول لا يعرف غيره، ومن ثم ينقل أوامره إليه. ويكون عليه هو إبلاغ تلك الأوامر إلى بقية المرؤوسين. فيبلغها إليهم وكأنه هو من أصدر تلك الأوامر.
ومنهم من يحاول استغلال قربه من المسئول في تحقيق المكاسب الخاصة من جراء علاقته به. فهو يلهث ورائه لانتزاع توقيعاته بالموافقة على أسفار واجتماعات ومقابلات يقوم بها، ليجمع من ورائها من الأموال التي ما كان يحلم أن يجمعها في حياته بعيدا عن ذلك المسئول.
ولذلك فهذه النوعية من بطانة السوء لا تطيق أن ترى أحدا غيرها في مكتب المسئول. ذلك أن دخول أي فرد إلى المسئول، إذا أثبت كفاءة ما، ففي ظن تلك البطانة أنها ستُحرم من مكانها بقرب هذا المسئول، ومن ثم فستُحرم من النعيم الذي تعيش فيه.
قال ابن قيم الجوزية في كتابه الماتع: الفوائد: قول الله تعالى: ? وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إَِّلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ? ] الحجر: 21 [، متضمن لكنز من الكنوز وهو أن كل شيء لا يطلب إلا ممن عنده خزائنه ومفاتيح تلك الخزائن بيديه. وأن طلبه من غيره طلب ممن ليس عنده ولا يقدر عليه. وقوله: ? وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى ? ] النجم: 42[، متضمن لكنز عظيم، وهو أن كل مراد إن لم يرد لأجله ويتصل به وإلا فهو مضمحل منقطع، فإنه ليس إليه المنتهى، وليس المنتهى إلا إلى الذي انتهت إليه الأمور كلها فانتهت إلى خلقه ومشيئته وحكمته وعلمه، فهو غاية كل مطلوب، وكل محبوب لا يُحب لأجله فمحبته عناء وعذاب، وكل عمل لا يراد لأجله فهو ضائع وباطل، وكل قلب لا يصل إليه فهو شقي محجوب عن سعادته وفلاحه، فاجتمع ما يراد منه كله في قوله: ? وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إَِّلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ?، واجتمع ما يراد له كله في قوله: ? وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى ?. فليس وراءه سبحانه غاية تطلب، وليس دونه غاية إليها المنتهى (1) .
لذلك فيجب على المرء أن يشغل نفسه بالله. فالقلب إن لم يمتلئ بمحبة الله، امتلئ بحب الدنيا وشهواتها وأصبح أسيرا لها. فمن الهام على من أوكل إليه منصب معين أن يتقي الله فيه. وألا يكون هذا المنصب هو محور حياته واهتمامه، بل يكون محور اهتمامه وتفكيره هو كيف يؤدي المهام الموكولة إليه بالطريقة التي ترضي ربه وتُعلي من شأن دينه. وعلى البطانة التي تحيط بالمسئولين أن تتقي الله وتراعي ضمائرها فيما تنقله لهؤلاء المسئولين وما تشير عليهم به. وعليهم أن يعلموا أن أيام نفوذهم محدودة، ثم يعقب ذلك عذاب ضمير ولعنات تلاحقهم أينما حلوا أو ارتحلوا. ثم يكون عقاب الله في يوم لا ينفع فيه نفوذ مسئول أو شفاعة رئيس!!
13 من رجب عام 1425 من الهجرة ( الموافق في تقويم النصارى 29 من أغسطس عام 2004 ) .
[1] الإمام ابن قيم الجوزية، كتاب الفوائد، دار التقوى، دون تاريخ. ص: 215.