وكان له قلب عقول ولسان سأؤول وكان من لمفتين ومن العلماء في أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم) في ملأ منهم كابن الخطاب وعبد الله أبن مسعود ومعاذ أبن جبل.
وفي أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم) من جمع الفضل والمجد من أطرافه كأبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، قال النبي (صلى الله عليه وسلم) يوما لأصحابه:
(من أصبح منكم صائما ؟ قال أبو بكر أنا)
(قال من تصدق على مسكين ؟ قال أبو بكر أنا)
(قال من عاد مريضا ؟ قال أبو بكر أنا)
(قال من تبع منكم جنازة ؟ قال أبو بكر أنا)
(قال ما اجتمعن في امرأ إلا دخل الجنة) .
وفيهم أمثال عمر أبن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه.
إذا لابد من الاعتدال مع مراعاة المواهب والتخصصات والملكات، المهم أن الإنسان يحرص على قدر من الاعتدال.
من الاعتدال، الاعتدال في بناء الشخصية
فيتوسط الإنسان بين الاندفاع وراء العاطفة الجياشة التي لا تنضبط أو التوقف بحجة العقل والدراسة والنظر، فإن الإنسان كل لا يتجزأ وله عقل وعاطفة ولولا وجود العاطفة لما استطاع الإنسان أن يتعامل مع الناس، ولا يأخذ ويعطي ولا يتوفر أمورهم ولا يحبهم أو يحبونه أو يتعامل معهم.
فلابد من الاعتدال في النظر بين العقل والعاطفة.
ومثله أيضا الاعتدال في تقييم الرجال فلا غلو ولا جفاء
وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يربون لناس على ذلك، قال علي رضي الله عنه:
( إنه لعهد عهده إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أنه تهلك في فئتان، فئة غلت وفئة جفت).
وهكذا حدث فعلا، فإن ممن بعد علي رضي الله عنه من غلوا فيه حتى ادعوا له لا أقول الولاية والإمامة فهو كان أمير المؤمنين رضي الله عنه، لكن ادعوا له والعياذ بالله الألوهية وكان يقتلهم ويحرقهم بالنار، وهم يقولون له أنت أنت، يعني يزعمون له بالألوهية، وهو يقول:
لما رأيت الأمر أمرا منكرا….أججت ناري ودعوت قنبرا
فكان يحرقهم رضي الله عنه.
وهلكت فيه فئة أخرى هي التي فرطت في حقه وقصرت ونسبته إلى شيء مما لا يليق بقدره ومقامه رضي الله تعالى عنه.
إن المقياس كما أسلفت هو النص، وفي صحيح البخاري عن عمر رضي الله عنه قال:
(أقرؤنا أبُي وأقضانا علي) .
فحكم أمير المؤمنين بأن اُبي هو لأقرأ وأن عليا هو الأقضى، يعني الأعلم بالقضاء، ثم قال عمر:
(وإنا لندع من قول أبُي) يعني نترك بعض ما يرويه لنا أبي أبن كعب رضي الله عنه وذلك أن أبي أبن كعب كان يقول:
(لا أدع شيئا سمعته من رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وقد قال الله عز وجل:
(ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها…. الآية)
فأنظر إلى عمر كيف اعترف لأبي أنه هو لأقرأ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم
ثم بين أننا مع ذلك نرد بعض قوله لا بالتشهي ولكن بالنص الشرعي، فقال إن ابي يقول كذا وقد قال الله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها….الآية) .
فقال نرد بعض ما قاله ابي بالقرآن الكريم وليس بمجرد التشهي.
إن الأمة التي تغلو في شخص لابد أن تقصر فيه، تعظمه حتى لا تتصور أنه يخطئ، فيقع منه الخطأ فتجحف في حقه، ولا ترى له قدرا ولا مكانا، وهناك أمة تبالغ في شأن شخص إهدارا لكرامته، فيبالغ آخرون في رفع اعتباره وقيمته ومنزلته.
إذا فالاعتدال والحق فضيلة بين رذيلتين.
إن من العتدال، الاعتدال في معاملة المرؤوسين
فهناك من يحمل من تحت يده ما لا يطيق، سواء كانوا أولادا أو طلابا أو مرؤوسين أو مربَين أو الأمة كلها بشعوبها وأممها هناك من يحملهم ما لا يطيقون، فينقطعون ويدعون العمل، أو يدعوهم ذلك إلى الإعجاب والغرور بأنفسهم وبما أنجزوا وعملوا فيستكبرون.
ثم قد يهمل آخرون بحجة أن ليس لديهم مواهب، فقراء في مواهبهم ليس لديهم إبداع فيترتب عن ذلك تحطيم لهم وإثارة مشاعر السخرية والكراهية والبغضاء في نفوسهم، وكل إنسان صغر أو كبر هو مزود بملكات وقدرات إبداعية ولكن الشأن في من يستطيع أن يكتشف هذه الملكات ويعرفها ثم يوظفها توظيفا صحيحا.
إن من الاعتدال التوسط في ملاحظة النفوس وطبائعها
فهناك المربي الذي لديه حساسية شديدة، فهو يتردد في كل شيء خشية أن يجرح فلانا أو يغضب فلانا، وهناك على الطرف الآخر من لا يأبه بالآخرين حتى كأنهم عند بشر بلا مشاعر ولا أحاسيس فقد يرأس الصغير مثلا على الكبير ويحتج بأسامة أبن زيد، أو يعاتب بشدة ويحتج بموقف نبوي، أو يفضل أحدا على أحد بوضوح ويحتج بأبي بكر وعمر وهكذا، وينسى أن الأمر يتفاوت والموقف يختلف.
من الاعتدال: الاعتدال بالنصيحة والتوجيه
فليس من الحكمة حرمان الناس من النصيحة والنقد البناء الهادف الذي يكون بالأسلوب الحكيم المناسب أبدا بحجة الخوف من ذلك.
وليس من الملائم تربية الناس على الصفاقة وقلة الأدب وغياب الخلق بحجة تربيتهم على قول كلمة الحق، أو عدم المجاملة في دين الله تعالى.
ومن الاعتدال أيضا، الاعتدال في تربية النفس.