فهرس الكتاب

الصفحة 12189 من 27345

بل ويتسع مفهوم التوحيد الذي جاء به القرآن ليشمل تحرير الإنسان حتى من الخوف من غير الله كما قال تعالى: (فلا تخافوهم وخافونِ إن كنتم مؤمنين) فشرط لتحقيق الإيمان عدم الخوف من البشر ومن كل ما سوى الله كما قال: (وإياي فارهبون) وهو كقوله (وإياي فاعبدون) فكما لا تكون العبادة إلا لله وحده؛ فكذلك لا يكون الخوف والرهبة والخشية إلا منه وحده لأنه هو الذي يخلق ويرزق ويحيي ويميت فاستحق وحده الخضوع والخشية والرهبة والرغبة والعبادة والطاعة؛ بل لقد بالغ النبي -صلى الله عليه وسلم- في ترسيخ مفهوم تحرير الإنسان من كل أشكال العبودية لغير الله ، حتى نهى أصحابه عن القيام له إذا دخل عليهم كما يفعل العبيد مع أسيادهم، ونهاهم عن الوقوف على رأسه وهو جالس، ونهاهم عن الانحناء له؛ بل نهاهم أن يقول أحدهم لرقيقه ومملوكه"عبدي وأمتي"، بل يقول"فتاي وفتاتي"وعلل ذلك بقوله:"فكلكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله"وكل ذلك من أجل ترسيخ مفهوم حرية الإنسان وعدم عبوديته لغير الله وكل ما سبق ذكره من أنواع التوحيد هي من معاني الحرية الإنسانية والمساواة التي تفتقدها المجتمعات العربية المعاصرة التي ما تزال ترسف في أغلال العبودية لغير الله؛ كالخضوع للملوك والرؤساء والطاعة لهم في غير طاعة الله، والخوف منهم والخشية من سطوتهم والتذلل لهم والافتقار إليهم، والتزلف عندهم وتعظيمهم إلى حد تقبيل أيديهم والركوع عند ركبهم والقيام إلى رؤوسهم إجلالًا وتعظيمًا لهم إلى غير ذلك من صور العبودية والشرك بالله، بعد أن تم اختزال معنى التوحيد ليصبح قاصرًا فقط على الشعائر التعبدية دون باقي الممارسات العملية، وبعد أن تم اختزال معنى الحرية؛ ليصبح قاصرًا على الحرية الشكلية الصورية التي هي من فروع الدين دون الحرية المعنوية التي هي أصل الدين!.

* الأمين العام للحركة السلفية بالكويت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت