فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم بُعث ليتمّم مكارم الأخلاق ، ويضيف إلى الإنسانية الكثير من المعاني السامية ، والمثل العليا ، وإن البعد الأخلاقي في مبادئه واضح بلا مراء ، لكن أن يحلو للبعض أن يفسّر دعوته بانتحال النبوة ، والاحتيال باسم الدين ، كي يسهم في انتشال قومه من الانحلال الخلقي ، ومحاربة الهيمنة القبلية ، فهذا ما لا يقوله عاقل منصف ، عرف التاريخ ، أو اطلع على جزء من حياة النبي صلى الله عليه وسلم .
والنقاط التالية تبيّن تهافت تلك الفرية ، وأنها لا تعدوا أن تكون أفكارًا نابعة من نفوس مغرضة:
أولًا: إن جوانب الحياة الاجتماعية تشمل عدة أبعاد: البعد المنظّم لعلاقة الإنسان بنفسه ، والبعد المنظم لعلاقته بمن سواه ، ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم مجرّد مصلحٍ اجتماعي لكان تركيزه الأعظم على هذين البعدين ، بينما نرى في الواقع أن العماد الحقيقي الذي قامت عليه دعوته هو بُعد أعمق من القضيتين السابقتين ، إنه البُعد العقدي ، والمتمثل في علاقة الإنسان بخالقه ومولاه .
لقد تركّزت الدعوة الإسلامية في أكثر مظاهرها بالعبادة وتوحيد الله جلّ وعلا ، وهذا البعد ليس له علاقة مباشرة بالإصلاح الاجتماعي ، فما بال النبي صلى الله عليه وسلم يأمر الناس بعبادة الله وحده ؟ وما علاقة الأخلاق بتحمّل أعباء تكاليف تُشغل بمجملها حياة الإنسان اليومية ؟ .
وهنا قد يقول المستشرقون: إن لهذه التكاليف أثرًا في ترويض الروح على الفضيلة ، لكن هذا لا يتماشى مع النهي عن عبادة الأصنام ، ولا مع وجوب البراءة من الكفر والكافرين ، مما يجعلنا نقطع بتهافت مثل هذا الرأي .
ثانيًا: إن هذا التفسير النظري ليقف عاجزًا عن تفسير بكاء الصحابة العائدين من الغزوات إذ لم تُكتب لهم الشهادة ، ويقف عاجزًا كذلك عن تفسير حرصهم على قتال ذويهم وبني جلدتهم ، حتى ترى الوالد يقتل ولده ، والأخ يقتل أخاه ، كل ذلك في سبيل هذه الدعوة الجديدة ، كما أن هذه النظرية لتعجز عن تفسير رضا المهاجرين أن يتركوا ديارهم وأموالهم ، ويختاروا مفارقة الأوطان ، إلى مصير غير معلوم ، لو لم يعلموا يقينًا بنبوته صلى الله عليه وسلم .
ثالثًا: إن المتطلّع إلى محتويات الدين الإسلامي يجد فيه العديد من التشريعات المختلفة والأنظمة المحكمة الدقيقة ، خصوصًا ما يتعلّق بجوانب القضاء والإفتاء والحدود ، والشأن في المناهج الأرضية القويّة أن تجتمع عقول كثيرة لكي تخرج بنظام متكامل كهذا النموذج ، لا أن يكون منبع هذا الدستور من رجل أمي لا يعرف القراءة ولا الكتابة ، منشغلٍ بعبادته والاجتماع بصحابته ، ومثل هذا التصوّر يقتضي أن تكون هذه الشريعة من مصدر سماوي ، لا اجتهادات بشريةٍ عرضة للخطأ والصواب .
ونقول أخيرًا: إن الإصلاح الاجتماعي هو قاسم مشترك بين الديانات السماوية والدعوات الأرضية ، كذلك فيما يتعلق بالدعوات السياسية ، فالكل يسعى إلى تحقيق الاستقرار وتنظيم الحياة ، ولكنا حينما نتكلم عن دين أتى من عند الخالق الحكيم فمن البداهة أن يكون أوسع نطاقا وأكمل نظامًا وأشمل منهجًا ، فليس هو بالمقتصر على جانب من جوانب الحياة أو نظام من نظمها .
وإذا كان الأمر كذلك ، فمن السذاجة أن يوصف الدور الذي قام به خاتم الأنبياء والمرسلين بأنه مجرد عمليات إصلاحية في المجتمع العربي ، أو محاولات لتصدّر الزعامة والسيطرة على مقاليد الحكم في جزيرة العرب ، فلا مناص من الاعتراف بالحق الواضح ، وهو ما عبّر عنه المستشرق"تريتون"بقوله:"إذا صحّ في العقول أن التفسير المادّي يمكن أن يكون صالحًا في تعليل بعض الظواهر التاريخية الكبرى ، وبيان أسباب قيام الدول وسقوطها ، فإن هذا التفسير المادي يفشل فشلًا ذريعًا حين يرغب في أن يعلّل وحدة العرب وغلبتهم على غيرهم ، وقيام حضارتهم ، واتساع رقعتهم وثبات أقدامهم ، فلم يبق أمام المؤرخين إلا أن ينظروا في العلّة الصحيحة لهذه الظاهرة الفريدة ، فيرى أنها تقع في هذا الشيء الجديد: ألا وهو الإسلام".
تلك هي شهادة شاهد من أهلها ، فأي حجة بعد ذلك تنفع ، إذا كان ما سبق لا يُقنع !!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من مصادر المقال:
-مجلة المنار: للشيخ محمد رشيد رضا
-شبهات التغريب: الأستاذ أنور الجندي