فهرس الكتاب

الصفحة 12202 من 27345

كثير من الكتّاب ينبهون أيضا أن الكاتب الإنجليزي الذي شكك في مذبحة الهولوكست الشهيرة يواجه حكما بالسجن لمدة ستة عشر عاما لمجرّد تشكيك في أساسات (السامية) على الرغم من أن منطلقاته كانت حوارية مدعّمة بالكثير من الأدلة والشواهد التاريخية العلمية...ولم تكن دوافعه استفزازية أو دعوة للصراع بين الأديان أو احتقارها.... كما يحصل في القضية الموصوفة بأنها تعبير عن حرية الرأي، وعدم الخوف من الدين والأديان..

هذه الانتقائية المقززة التي تمارسها أوربا تجعلنا نشعر بالقرف بقدر ما نشعر بالأسف لحجم التخبط الذي تعيشه أوروبا، والذي كشفه الحادث بشكل سافر وشنيع...

كون كثير من المسلمين حولوا المعركة الآن إلى (أرمجيدون) دينية صليبية إسلامية يمارس فيها الغربي فوقية لادينية، واستقواء ضد الفئة المسلمة القليلة..لا يعني أنه ليس بإمكاننا أن نربح المعركة بعد، وأن نحوّل التاريخ الذي كان ضدنا وضد صورتنا النزيهة كمتسامحين مدانين حتى إشعار آخر..التاريخ الذي وقف ضدنا لمدة خمس سنوات بعد الحادي عشر من سبتمبر يمكن أن نكسبه إلى صفّنا أخيرًا، ونبدو نحن الأعقل والأكثر جدارة بالاحترام...والأكثر تحضّرًا وقدرة على شفاء العالم من حالة الانبهار بالغربي الذي لم تستطع ناطحات سحابه ومؤسساته المستقلة أن تكون محترمة كفاية... وأن توجد الآن حلًا لمشكلة أساسها قلة الوعي (التعبيري) ...بدلًا من التحدي المرتبك جدًا والمتمثل في إعادة نشر الصور المسيئة بين اليوم والآخر، وفي أكثر من جريدة أوروبية..

أخيرًا..رغم كل الاستياء الذي سببه الحادث المثير إلا أنه حدث (مفيد) وضروري لنا كمسلمين في حقبة العولمة أن نضع قوانيننا أخيرًا فيما يتعلق بالإساءة للأديان...وأن تبدأ حملة جيدة وقوية وصارمة لتحدي المد اللاديني الذي يريد انتزاع قدسية الأديان واحترامها من قلوب العالمين...

"اللاديني"هو الخطر القادم الذي يتربص بأجيالنا القادمة، والذي يمكنه أن يكوّن عالمًا فوضويًا لا يحكمه إلا قانون متحوّل لا يحلّ حلالًا، ولا يحرّم حرامًا...

حين لا يجد"اللاديني"من يقف أمامه بمنتهى الصرامة ليوقف سخريته بالأديان عند حده، فسنجد أنفسنا ندخل غمار حرب طويلة، وفي جبهات عدة يكون المتهم الأول والأخير فيها هو المتدين والدين بإثارة النعرات، والفرقة والتي لم يبدأها إلا"اللاديني"، ولكنه لم يجد وقفة صارمة وقانونًا محددًا وخطًا أحمر عريضًا لا يتجاوزه..

إنها دعوة لوقفة عالمية تتّحد فيها الأديان ضد من يريد الإساءة إليها، وينتقص من قداستها بدعوى حرية التعبير...دعوة لتفكير منطقي طويل وعادل في الحدود التي يمكن فيها وزن أي ممارسة نقدية ضد الأديان، وما هو الحد الذي يمكن اعتباره إساءة يتم تجريمها...وما هو الحد الذي يمكن اعتباره حوارًا مقبولًا وتعبيرًا عن الرأي محترمًا..

كل هذا لم يكن ليحصل لو لم يحدث هذا الحدث الجلل والتجربة العنيفة...التي تذكرنا جيدًا جدًا بحادثة الإفك التي وإن كرهها المسلمون وقت حصولها، إلا أنها كان لابد منها ليتبين من كذب ممن صدق، ومن كانت خبثت نيّته ممن صفت، ولم تتكلم إلا بما هو خير..

كانت تجربة قاسية عسى أن نخرج منها بفوائد في تاريخنا ونفسياتنا ومستقبلنا القادم، وكيف ندير أزماتنا بمنتهى النزاهة والتجرد للحق...

حقًا... (...لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ...) !

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت