فهرس الكتاب

الصفحة 12281 من 27345

والجانب الثاني: شمول الإسلام وقصور غيره، وينبني عليه أمر اجتماعي له مساس بكيان الأسرة وحسن العشرة، وذلك أن المسلم إذا تزوج كتابية، فهو يؤمن بكتابها ورسولها فسيكون معها على مبدأ مَنْ يحترم دينها لإيمانه به في الجملة، فسيكون هناك مجال للتفاهم، وقد يحصل التوصل إلى إسلامها بموجب كتابها، أما الكتابي إذا تزوج مسلمة، فهولا يؤمن بدينها، فلا تجد منه احترامًا لمبدئها ودينها، ولا مجال للمفاهمة معه في أمر لا يؤمن به كلية، وبالتالي فلا مجال للتفاهم ولا للوئام، وإذا فلا جدوى من هذا الزواج بالكلية، فمنع منه ابتداءً).

يقول سيد قطب رحمه الله تعالى في الظلال: (زواج الكتابي من مسلمة محظور، لأنه يختلف في واقعة عن زواج المسلم بكتابية ـ غير مشركة ـ وهنا يختلف في حكمه ... إن الأطفال يدعون لآبائهم بحكم الشريعة الإسلامية، كما أن الزوجة هي التي تنتقل إلى أسرة الزوج وقومه وأرضه بحكم الواقع، فإذا تزوج المسلم من الكتابية ـ غير المشركة ـ انتقلت هي إلى دار قومه، ودعى أبناؤه منها باسمه، فكان الإسلام هو الذي يهيمن ويظلل جو الحصن، ويقع العكس حين تتزوج المسلمة من كتابي، فتعيش بعيدًا عن قومها، وقد يفتنها ضعفها ووحدتها هنالك عن إسلامها، كما أن أبناءها يدعون إلى زوجها، ويدينون بدين غير دينها، والإسلام يجب أن يهيمن دائمًا) أ.هـ

وقد ذهب صاحب تلك الدعاوى الباطلة إلى أن اليهود والنصارى ليسوا مشركين أو كفارًا، فنقول جوابًا على ذلك: قد دل القرآن والسنة والإجماع على أن من دان بغير الإسلام فهو كافر، ودينه مردود عليه وهو في الآخرة من الخاسرين، قال تعالى (ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) وجاء النص القاطع بأن أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمد (صلى اللّه عليه وسلم) أو أشركوا مع اللّه غيره، أو جحدوا نبوة نبي من الأنبياء أنهم كفرة، ولا يدفع عنهم الكفر إيمانهم أو التزامهم بكتبهم، فلو آمنوا حقًا بالنبي والكتاب لآمنوا بجميع الأنبياء والرسل قال الله تعالى (إن الذين يكفرون باللّه ورسله ويريدون أن يفرقوا بين اللّه ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا u أولئك الكافرون حقًا واعتدنا للكافرين عذابًا مهينا) وقال تعالى (يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات اللّه وأنتم تشهدون) وقال (قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات اللّه واللّه شهيد على ما تعملون) وقد كان ذلك خطابًا لأهل الكتاب المعاصرين للنبي (صلى الله عليه وسلم) وهم يؤمنون بعيسى والإنجيل، وبموسى والتوراة. وقال تعالى (لقد كفر الذين قالوا إن اللّه هو المسيح ابن مريم) وقال تعالى (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون) وقال تعالى (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة) فكونهم أهل كتاب لا يمنع من كونهم كفارًا، كما نطق بذلك كتاب اللّه، وأما إباحة طعام أهل الكتاب ونكاح نسائهم فإنه لا ينفي الحكم بكفرهم، ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه جل وعلاء ولو قال قائل: فما وجه وعد اللّه إياهم بالجنة في قوله سبحانه (إن الذين أمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن باللّه واليوم الآخر وعمل صالحًا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) نقول: إن هذا الوعد إنما هو للموحدين منهم الذين آمنوا بنبيهم ولم يشركوا باللّه أحدا ولم يدركوا بعثة نبينا محمد (صلى اللّه عليه وسلم) وهذا ما اتفق عليه أهل التفسير والعلم بكتاب اللّه عز وجل ويؤيده أن من اعتقد ألوهية عيسى أو نبوته للّه أو اعتقد أن اللّه فقير أو يمسه اللغوب والتعب فليس مؤمنًا باللّه حقيقة وكذلك من اعتقد أن عيسى عليه السلام هو الذي يحاسب الناس يوم القيامة ويجعل النار لمن لم يؤمن بألوهيته او نبوته، من اعتقد ذلك لم يكن مؤمنًا باليوم الآخر حقيقة، ولهذا وصف القرآن أهل الكتاب من اليهود والنصارى بأنهم لا يؤمنون باللّه واليوم الآخر، فقال تعالى (قاتلوا الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر ولايحرمون ما حرم اللّه ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) نقول: إن كفر اليهود والنصارى يعد من الأمور المعلومة بالضرورة من دين الإسلام، فمن أنكر كفر اليهود والنصارى أو شك في ذلك فهو كافر. قال القاضي عياض في كتابه الشفاء في سياق ذكره ما هو كفر بالإجماع: (ولهذا نكفِّر من دان بغير ملة المسلمين من الملل أو توقف فيهم أو شك أو صحح مذهبهم، وإن أظهر مع ذلك الإسلام+ واعتقده واعتقد إبطال كل مذهب سواه، فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت