فهرس الكتاب

الصفحة 12357 من 27345

وعودًا على الموضوع أقول: لقد زار أديبنا الراحل علي الطنطاوي- رحمه الله - لبنان قبل عدة عقود من الزمن, فأخذ يصف بأسلوبه الرائع صورة طبيعتها الأخاذة, بقراها المتناثرة على سفوح الجبال, وينابيعها المتدفقة من أعالي الصخور والتلال, وجبالها التي تطل من فوق السحاب, وأشجارها التي تملأ السهول والهضاب, ثم انتقل من وصف هذه الطبيعة الخلابة إلى وصف جانب من الواقع السلوكي الذي يكدر بعض مناطق لبنان, فقال (5/64-66) :"في لبنان- والحق يُقال- من بؤر الفساد, مثل ما فيها أو أضعاف ما فيها من المدارس والكليات, وحسبكم أنه كان وراء الصف المطل على ساحة البرج من العمارات, عمارات أخرى على شوارع فرعية واسعة, على كل لوحة عمارة لوحات فيها أسماء أنثيات, غلطت مرة فدخلت في تلك الشوارع مع أهلي وبناتي - بعد أن تزوجت, ورزقت البنات - فسألتني إحداهن: ما هذه اللوحات؟! فتنبهت وارتبكت, ثم قلت لها: إنها أسماء خياطات وبياعات, واستدرت راجعًا! ولقد دخلت من بعد أكثر من عشرين مدينة من مدن أوروبا, فما كنت أرى في الشوارع ما كنت أراه وأنا أمشي في شوارع بيروت, أماكن البغاء في وسط البلد! أما ما وراء الجدران فلا شأن لمثلي به, ولا وصول لي إليه, لا في أوروبا ولا في لبنان, وما في الدنيا بلد يخلو ولا بلد خلا تمامًا من الفواحش, ولكن في الخفاء, لا يكشف عنه الغطاء, ولا يخلع أهله قناع الحياء. وهذا قديم في بيروت"ثم استذكر - رحمه الله- زيارته القديمة للبنان (سنة1356هـ - 1937م) حيث وقعت له بعض المواقف المبكية والطريفة في آن واحد! عندما سافر إليها برفقة بعض محبيه لزيارة أمير البيان شكيب أرسلان, فقال:"ولما دخلنا الفندق - أي: في صوفر - عمامتان عاليتان على رأسي البهجتين, بهجة العراق وبهجة الشام (أي الأثري والبيطار) , وعقال نجدي على هامة سيد من سادة نجد هو الشيخ ياسين الرواف, ونحن اثنان مطربشان (أي: اللذان يلبسان الطربوش) الأستاذ عز الدين التنوخي وأنا, لما دخلنا تعلقت بنا الأنظار, ودارت حولنا الأبصار, وحف بنا شباب يسلمون علينا, فقلنا: وعليكم السلام يا إخواننا ... فما راعنا إلا أنهم ضحكوا, وضحك الحاضرون, فقلت لأحدهم: قل لي, لماذا تضحك؟ هل تجد في هيئتي ما يضحك؟ فازداد الخبيث ضحكًا, فهممت به, فوثب الحاضرون فقالوا: يا للعجب أتضرب فتاة! وإذا الذين حسبناهم شبابًا فتيات بسراويل (بنطلونات) وحلل (بذلات) فسرنا ونحن مستحيون, نحاول ألاّ نعيدها كرة أخرى. ولما خرجت في الليل لمحت في طريقي واحدة من هؤلاء النسوة, فحيتنا, فقلت لها: مساء الخير يا مدموزيل, فقالت: مدموزيل إيه يا وقح! فقلت في نفسي: إنها متزوجة, وقد ساءها أني دعوتها بالمدموزيل (الآنسة) , وأسرعت فتداركت الخطأ, وقلت: بردون مدام, فقالت: مدام في عينك يا قليل الأدب, بأي حق تمزح معي؟ أنا فلان المحامي, فقلت: عفوًا بردون! ووليت هاربًا, وذهبت إلى صاحب الفندق, فرجوته أن يعمل لنا طريقة للتفريق بين الرجل والمرأة, فدهش مني, ووجم لحظة, ثم قدر أني أمزح, فانطلق ضاحكًا! قلت: إنني لا أمزح, ولكني أقول الجد, وقصصت عليه القصة. قال: وما ذا نعمل؟ قلت: لوحات صغيرة - مثلًا - من النحاس, أو من الفضة, توضع على الصدر, يكتب عليها"رجل"أو"امرأة", تعلق تحت الثدي الأيسر , في مكان القلب , أو تتخذ حلية من الذهب أو الفضة, عليها صورة ديك - مثلًا- أو دجاجة, أو شاة أو خروف, أو شيء آخر من علامات التذكير والتأنيث. وراقه اقتراحي, وقبله على أنه نكتة, ولم يفكر بالعمل به؛ لأنه لم يجد حاجة إلى هذا التفريق ما دام المذهب الجديد يقول بمساواة الجنسين! تلك بيروت الأمس."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت