فهرس الكتاب

الصفحة 12431 من 27345

وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى:"أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسال أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول"أخرجه الدارمي وابن سعد وغيرهم .

وعن سحنون بن سعيد قال: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علمًا يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم فيظن أن الحق كله فيه . قال سحنون: إني لأحفظ مسائل فيها ما فيه ثمانية أقوال من ثمانية أئمة من العلماء فكيف ينبغي أن أعجل بالجواب حتى أتخير فلم ألام على حبسي الجواب . انظر جامع بيان العلم 2/165 .

وكانوا يتورعون عن القطع في فتاواهم .

قال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا ولا أدركت أحدًا أقتدي به يقول في شيء: هذا حلال وهذا حرام ، وما كانوا يجترءون على ذلك ، وإنما كانوا يقولون: نكره كذا ، ونرى هذا حسنًا . فينبغي هذا ولا نرى هذا . أهـ . انظر: اعلام الموقعين 1/39 .

سابعًا: قال الله جل ذكره: { فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى } .

وقال عليه الصلاة والسلام:"لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم"الحديث أخرجه مسلم وفيه قصة.

فعلى كل مسلم أن يحذر من ألفاظ التزكية والثناء على النفس، ولعل الكثيرين من أهل العلم والجهاد يتورعون عن ذلك وينأون بأنفسهم عنه ؛ لكن ثَم ما يُفهم منه نوع من التزكية ينبغي للمسلم لاسيما أمثال هؤلاء أن يتنبهوا له، من ذلك:

· التكرار من بعض المعنيين بالجهاد أن غيرهم قاعدون متخاذلون ... الخ مما يعني أنهم فقط هم القائمون بأمر الله الحافظون لحدوده .

· اتهام البعض لأولئك بأنهم متعجلون لا حكمة عندهم ولا فقه لديهم، ولا إدراك للمصالح، وكأن المتحدث هو المحيط بذلك كله .

· الشعور ممن يكون بأرض الجهاد بأنه ترك أهله ووطنه وماله في سبيل الله، وينظر إلى غيره على أنه لم يفعل شيئًا من ذلك مما قد يعتقد معه علّوه على من سواه .

وسواء فهم مما ذكرت تزكية النفس أولا ؛ فإنها لا تخلو من محذور إما بتزكية النفس، أو اتهام الغير واحتقاره، أو تعميم الأحكام مما لا يتوافق مع القاعدة الربانية: { وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى } والقاعدة الأخرى: {ولا تبخسوا الناس أشياءهم } .

ثامنًا: بقيت بعض قواعد من هدي نبينا صلى الله عليه وسلم ، وهدي صحابته الكرام ، أولى الناس بالأخذ بها وأحقهم بالعتب في الغفلة عنها أهل الإسلام العاملون له ، وكفى بنصها تذكيرًا من غير تعليق:

1-في البخاري: باب الرفق في الأمر كله .

ثم أسند عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت _ في قصة _قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله . متفق عليه ، وفي رواية للبخاري: مهلا يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش .

وعند مسلم في لفظ أو حديث آخر عنها: إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه .

وفي آخر: يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه .

وعن جرير رضي الله عنه: من يحرم الرفق يحرم الخير . أخره مسلم .

2 -عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم . متفق عليه ، وفي لفظ لأحمد: لا يريد بها بأسًا ، وفي آخر: ما يرى أن تبلغ حيث بلغت .

3 -عن علي رضي الله عنه قال:"حدثوا الناس بما يعرفون ، أتحبون أن يكذب الله ورسوله ؟"أخرجه البخاري .

وقال ابن مسعود رضي الله عنه:"ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة"أخرجه مسلم في المقدمة .

هذا وأسأل الله تعالى أن يجمع قلوب المسلمين على الخير، وأن يؤلف بينهم، وأن يمنح أهل العلم ويزيدهم جهادًا في سبيله جل وعلا، وأن يمنح أهل الجهاد ويزيدهم علمًا وفقهًا إلى فقههم .

وأن يوفق الجميع لما يحب ويرضى وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .

كتبه / فهد بن عبد الرحمن اليحيا

المحاضر بجامعة الامام محمد بن سعود الإسلامية

قسم الفقه وأصوله بالقصيم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت