مُجَاوِرُك الإنسانُ إذا لم يَتَّحِد معك في المعاني التي تجعله يشعر بما تشعر به أنت؛ فلايكون وجودُه وعدمُه بجنبك سواءً فقط؛ بل قد يُسَبِّب لك وجودُه بجنبك أضرارًا نفسيّة أو جسمانية أو ماليّة أو فكريّة، وربّما يُسَبِّب هذه الأَضرارَ بأنواعها كلّها، إلاّ أن تتجنّبها بحكمتك أو تدفعها بقوتك. يتأذّى الإنسان من الإنسان نفسيًّا قبل أن يتأذّى منه جسمانيًّا أو ماليًّا أو فكريًّا إذا لم يكن إنسانًا مثلَه في الخير، وإنما كان شيطانًا أو تلميذًا بارًّا من تلاميذه مُتَمَثِّلًا في الجسم الإنسانيّ والهيكل البشريّ. أنت ستظلّ دائمًا في تعقيدات نفسيّة، ومخافة مجهولة، بجنب إنسان يشاركك في صورة اللحم والدم، ولايشاركك في العقيدة والدين، والعواطف والأفكار، والمعاني الإنسانية النبيلة؛ لأنك وهو على طرفي نقيض؛ فربما أنت ترتاح إذا لم يكن مثلُه بجنبك ارتياحًا لن تتمتع به وهو معك. وجودُه بجنبك لم يُذْهِب أيَّ شيء من الوحشة التي يشعر بها الإنسان في مكان خالٍ من الإنس، وإنما زادك تعقيدًا ومخافة أنت لاتتبيّن نوعيّتها؛ فتُسَاوِرُك الوساوسُ، وتؤذيك الخَوالِجُ، وتتدافع بك الأفكار التي أنت لاترغب فيها.
يسكن بجنب بيتي على غَلْوَة منه أسرةٌ من أبناء ديانة غير ديانتي منذ الزمان القديم: منذ عهد الأجداد؛ ولكنها بما أنّها لاتشاركنا في العقيدة والدين، فلاتشاركنا في المشاعر والأفكار، فنشعر منها بتوحّش لاتصفه الكلمات بدقة. وأناسٌ لقيتُهم في الحرمين الشريفين: هذا من أقصى الشرق، وذاك من أقصى الغرب، وذلك من الأنحاء النائية من بلاد الله؛ ولكني شعرت كأنهم جميعًا أشقاء لي؛ لأنهم فعلًا أشقاء في الدين والعقيدة، والهدف والمصير، وكثير من الأفكار والعواطف.
رجلٌ عاملتُه طويلًا، وكان يقوم بطبع أعداد مجلتنا"الداعي"منذ سنوات طويلة. وكنتُ دائمًا أُحْسِن معه السلوكَ، وألاطفه في اللقاء، وأُبَادِر إليه بالتحية والدعاء؛ ولكنّه ظَلَّ عبر هذه السنين على جفافه وخشونته في الخلق وفظاظته في المعاملة، وعدم مجازاته الإحسانَ بمثله؛ فاضْطُرِرْتُ أن أبحث عن أصله ونسله الفكريّ، فأُحِطْتُ علمًا بأنه رغم كونه مسلمًا بالاسم ينتمي إلى المذهب الفلاني، الذي يُعْرَفُ أبناؤُه بالجفاف الخلقي ويركّزون على ظاهر الإسلام، ويزهدون في باطنه، وهم أزهد الناس في اللين الخلقي، والرقة في السلوك، والمجاملة في السيرة، وتبادل التحيات والأدعية بمثلها. وعندما ظَهَرَ لي السببُ بَطَلَ منّي العجبُ، وقلتُ: لاغرو إذا كان الرجلُ مُصِرًّا على جفافه، وحذره من أن يصدر منه سلوكٌ ليّنٌ يشفّ - لا قَدَّرَ الله ! - عن عدم ولائه الصادق لمذهبه الفكري!.
شيءٌ ثمينٌ جدًّا أن يُوافقك رجلٌ في العقيدة والدين، والعواطف والأفكار، ولايَتَنَكَّر لتعاليم الدين الذي ينتمي إليه؛ فلا بدّ أن تمنحه الاحترامَ اللائقَ والتقديرَ الذي يستحقّه، وأن تدعو ربّك أن يديمه على ما هو عليه ما تطول به الحياة.
(تحريرًا في الساعة 5، من مساء يوم الثلاثاء: 13/صفر1427هـ = 14/مارس2006م)
أبو أسامة نور