إن تأثير الاستثناء - في هذا الباب - يشمل اليمين بالله - تعالى - بالاتفاق (20) ، ، وكل يمين تدخلها الكفارة - كالظهار، والتحريم، والنذر - على الصحيح، وهو المذهب (21) ، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (22) رحمه الله-*.
المسألة الثانية: تأثير الاستثناء في كل ما جرى مجرى اليمين.
ويشمل تأثير الاستثناء - في هذا الباب - أيضًا كل ما جرى مجرى اليمين- كالحلف بالطلاق، والظهار، والحرام، والنذر، والعتاق - على الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (23) - رحمه الله - أيضًا.
المبحث الثالث
شروط تأثير الاستثناء في باب الأيمان
وفيه أربعة مطالب
المطلب الأول
قول الاستثناء باللسان
الشرط الأول: أن يقوله بلسانه، وينطق به.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"من حلف على يمين، فقال: إن شاء الله، فلا حنث عليه" (24) .
وقال - صلى الله عليه وسلم -:"لو قال: إن شاء الله، لم يحنث، وكان دركًا لحاجته" (25) .
والقول إذا أطلق فهو قول اللسان (26) ، فإن نواه بقلبه، أو قاله في نفسه، لم يؤثر، وحكي إجماعًا (27) .
قال ابن القيم - رحمه الله:"وهل من شرط الاستثناء أن يتكلم به، أو ينفع إذا كان في قلبه وإن لم يتلفظ به؟ فالمشهور من مذاهب الفقهاء (28) ، أنه لا ينفعه حتى يتلفظ به، ونص عليه أحمد فقال رواية ابن منصور: لا يجوز له أن يستثنى في نفسه حتى يتكلم به (29) " (30) .
وقال:"وقد قال الإمام أحمد في رواية حرب: إن كان مظلومًا فاستثنى في نفسه وجرت أنه يجوز إذا خاف على نفسه" (31) .
وقال ابن مفلح - رحمه الله:"ويعتبر نطقه - أي بالاستثناء - إلا من مظلوم خائف نص - يعني الإمام أحمد- على ذلك" (32) .
ومن المناسب هنا الكلام عن ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: إسماع النفس بالاستثناء قال ابن القيم - رحمه الله-:
"وهل يشترط أن يسمع نفسه، أو يكفي تحرك لسانه بالاستثناء، وإن كان بحيث لا يسمعه؟"
فاشترط أصحاب أحمد (33) ، وغيرهم أنه لابد وأن يكون بحيث يسمعه هو أو غيره، ولا دليل على هذا من لغة ولا عرف، ولا شرع، وليس في المسألة إجماع، قال أصحاب أبي حنيفة - واللفظ لصاحب الذخيرة -: وشرط الاستثناء أن يتكلم بالحروف، سواء كان مسموعًا، أو لم يكن، عند الشيخ أبي الحسن الكرخي (34) .
وكان الفقيه أبو جعفر يقول: لابد وأن يسمع نفسه، وبه كان يفتي أبو بكر محمد بن الفضل، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يميل إلى هذا القول" (35) ."
لكن قد صرح شيخ الإسلام ابن تيمية بعدم اشتراط إسماع النفس بالاستثناء
فقال -رحمه الله-:"ولا يشترط في الاستثناء والشرط والعطف المغير، والاستثناء بالمشيئة حيث يؤثر ذلك أن يسمع نفسه إذا لفظ به" (36) ، وقال ابن القيم - رحمه الله-:"إذا استحلف على شيء، فأحب أن يحلف ولا يحنث فالحيلة أن يحرك لسانه بقوله"إن شاء الله، وهل يشترط أن يسمعها نفسه؟ فقيل: لابد أن يسمع نفسه، وقال شيخنا: هذا لا دليل عليه،بل متى حرَّك لسانه بذلك كان متكلمًا، وإن لم يسمع نفسه، وهكذا حكم الأقوال الواجبة والقراءة (37) ، قلت - القائل ابن القيم-: وكان بعض السلف يطبق شفتيه ويحرك لسانه بلا إله إلا الله ذاكرًا، وإن لم يسمع نفسه، فإنه لاحظ للشفتين في هذه الكلمة، بل كلها حلقية لسانية، فيمكن الذاكر أن يحرك لسانه بها ولا يسمع نفسه، ولا أحد من الناس، ولا تراه العين يتكلم،وهكذا المتكلم بقول: إن شاء الله، يمكن مع إطباق الفم (38) فلا يسمعه أحد ولا يراه، وإن أطبق أسنانه وفتح شفتيه أدنى شيء سمعته أذناه بجملته" (39) ."
المسألة الثانية: كتابة الاستثناء، بدون نطق به.
إذا كتب الاستثناء، بدون أن ينطق به، نفعه ذلك (40) ، لأن الكتابة حروف يفهم منها الاستثناء وغيره، فتقوم مقام قول الكاتب، بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم- كان مأمورًا بتبليغ الرسالة، فبلَّغ بالقول مرة، وبالكتابة أخرى (41) .
قال ابن القيم - رحمه الله-.
"الكتابة تدل على المقصود، فهي كاللفظ، ولهذا يقع بها الطلاق (42) ."
المسألة الثالثة: الشك في قول الاستثناء إذا شك في الاستثناء، فالأصل عدمه، على المذهب (43) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:
الأصل عدمه، إلا ممن عادته الاستثناء" (44) ."
قال ابن مفلح- رحمه الله-
"وإن شك في الاستثناء، فالأصل عدمه، وقال شيخنا- يعني ابن تيمية- إلا ممن عادته الاستثناء واحتج بالمستحاضة تعمل بالعادة والتمييز، ولم تجلس أقل الحيض، والأصل وجوب العبادة" (45) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله-:
"الأظهر في قولي العلماء إجراؤه على عادته، وإلحاق الفرد بالأعم الأغلب" (46) .
وما قال ابن القيم: احتجّ به شيخ الإسلام ابن تيمية دليل من الأدلة على ما استقر شرعًا من تقديم العرف والعادة، والظاهر القوي على الأصل (47) .
"وأضعاف أضعاف هذه المسائل مما جرى العمل فيه على العرف، والعادة، ونزَّل ذلك منزلة النطق الصريح، اكتفاء بشاهد الحال عن صريح المقال" (48) .