فهرس الكتاب

الصفحة 12545 من 27345

وقد ترك الاستعمار أثرًا بعيد المدى في مشاعر شعراء المغرب وأضرم فيهم التحمس والثبات وروح التضحية ونراهم دائمًا يقومون بتوعية المواطن بهذه الصفات كما يلمح ذلك في أقوال أبي بكر بناني:

يَا بَنِي الْمَغْرِبِ هَيَّا لِلْقِتَالِ وَاسْتَعِدُّوْا لِلْوَغَى قَبْلَ النِّزَالِ

يَا بَنِي الْمَغْرِبِ هُبُّوا هَبَّةً وَاضْرِبُوْا وَجْهَ فَرنْسَا ضَرْبَةً

فقد كان المواطنون المغربيون الغيورون يردّدون هذه السطورَ في جولاتهم وصولاتهم ، وكأنهم رأوها بمثابة نشيد وطنهم ، ونراهم ينهضون للقتال ضد الاستعمار حتى انقصروا عليهم ، ولنستمع إلى ما يقول محمد بن اليمني الناصري وهو يسخرمنهم ويمجد إنجازات وطنه قائلًا:

اُنْظُرْ لِمَا تَلْقَى فَرَنْسَا مِنْهُ إِذْ قَصَدَتْ بِشَامِخِ مَجْدِه اِسْتِخْفَافَا

جَاءَتْ بِمُعْظَمِ جَيْشِهَا وَعُتَادِهَا فَاسْتَنْزَفَتْهُ رِجَالَه اِسْتِنْزَافَا

ومع استهلال سنة 1930 شهد المغرب تيارات الحركة الوطنية التي قدمت إلى الوجود جيلًا جديدًا ، وذلك بعد أن تزعزعت أركان الاستعمار بفضل انتشار الاشتراكية في الغرب، وبعد أن عمدوا إلى تقسيم المغرب قسمين: قسم يشمَل المدن وبعض القبائل التي يتكلم اللغة العربية وهم ينتمون إلى المذهب المالكي . وآخر سكان مناطق جبال الأطلس والبلاد التي تتكلم اللغة البربرية ؛ حيث انتشر بعضُ الفرق الفرنسية ، ولكن سياستهم هذه قد أحدثت رد فعل عنيف من قبل المواطنين في كلا القسمين .

ولعل الشاعر أبا القاسم الشابي هو الوحيد الأكثر صراحة في أشعاره ضد المستعمرين . وهو وإن كان تونسيًا إلا أنه كان يجسّد كل ما يعاني منه أهل المغرب العربي بصفة عامة وهو يقول:

أَلاَ أَيُّهَا الظَّالِمُ الْمُسْتَبِدُّ حَبِيْبَ الظَّلاَمِ عَدُوَّ الْحَيَاةِ

سَخِرْتَ بأَنَّاتِ شَعْبِ ضَعِيْفٍ وَكَفُّكَ مَخْضُوْبَةٌ بِالدِّمَاءِ

وَسِرْتَ تُشَوِّهُ سَحْرَ الْوُجُودِ وَتَبْذُرُ شَوْكَ الأَسَى في رِبَاهُ

رُوَيْدَكَ لاَ يَخْدَعَنَّكَ الرَّبِيْعُ وَصَحْوُ الْفِضَاءِ وَ ضَوْءُ الصَّباحِ

سَيَجْرِفُكَ السَّيْلُ سَيْلُ الدِّمَاءِ وَ يَأْكُلُكَ الْعَاصِفُ الْمُشْتَعِلْ

النشر العربي المغربيّ:

لقد تأثر النشر المغربي أيضًا بالاستعمار حيث تصدى الكثير من الكتاب الذين شحذوا أقلامهم بفكرتهم الانتقامية من الفرنس . وفي هذا الصدد يكتب المكي الناصري:

Mيضحكني والله ما يقوله المتسعمرون المنافقون من مهاترة وسفسطة لاحدّ لهما ، فلا أرى في الحماية إلا جناية ما فوقها جناية ولا أرى في الاستعمار إلا جريمة لاتعد لها جريمة على وجه الأرضL. ونراه يحطّ من شأن الفرنس ويستهزؤهم أيما استهزاء؛ لكلماته الحادة التي تعرف المجاملة؛ حيث يقول:

Mإن الدم ليحترق في قلوبنا وإن حرارة أنفسنا بلغت أعلى درجة الارتفاع، فلم نعد قادرين على العيش تحت ظل هذه الحماية المفروضة علينا.. وإن الشعب المغربي من أقصاه إلى أدناه ليحتدم سخطًا وحنقًا على حماته المنافقينL.

وأما بالنسبة إلى القصة والمسرحية فلم يكن لهما أثر كبير قبل النهضة الحديثة . والفضل في تطور هذه الفنون يرجع إلى احتكاك المغرب بالفرنس حيث نقلت إلى أرضه تلك الصور المستحدثة للقصة والمسرحيات ، شأن غيره من البلاد الشرقية .

وحتى القصة تحركت بالشعب المغربي نحو الاتجاه السائد ، وهو الحرية والاستقلال واللا استعمار الذي تغني به شعراؤه . والكاتب المغربي عبد المجيد بن جلون يبرز في أعماله القصيصة هذا الجانب الحيوي ويقول تحت عنوان (وادي الدماء) Mوتفتحت قلوبنا الصغيرة للربيع، وكانت الطبيعة تقدم إلينا أعز ما فقدناه في المدينة: وهو الحرية. كانت تتمثل لنا في السماء والأرض وفي كل كبيرة وصغيرة .

وكانت أول محاولة روائية في المغرب، Mفي الطفولةL لصاحبها عبد المجيد جلون السابق ذكره. تلتها رواية عبد الكريم غلاب بعنوان Mدفنا الماضيL حيث يصوّر فيها الفترة التاريخية ما قبل استقلال المغرب بما فيها من مكافحة ومقاومة الشعب ، وله رواية أخرى بعنوان Mالمعلم عليL التي يرسم فيها الصراعات الاجتماعية في غضون الاستعمار بمدينة فاس .

كما هو الشأن في رواية Mبوتقة الحياةL و MالمخاضL وكلاهما للبكرى أحمد السباعي . وهما بمثابة مرآة تنعكس فيها مهاجمات الاستعمار على التراث المغربي المكتون . وكذلك نجد الرواية Mجبل الظمأL و Mإكسير الحياةL للكاتب / حمد عزيز الحبابي، وكلاهما تصوير للجانب الاجتماعي المغربي ودعوة إلى الإصلاح ورفع مستوى العيش.

وفي الجملة يمكن القول إن الأدب المغربي بمختلف أنواعه قدّم نموذجًا فريدًا للصمود أمام الإحتلال السياسي والثقافي .

(*) محاضر كلية دار الأيتام المسلمين ويناد ، وعضو المجلس الأكاديمي بجامعة كالكوت ، كيرالا ، الهند.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت