5-وأمروهم بالتقوى بأسلوبين يقوّي أحدهما الآخر أما الأول"ألا تتقون ؟"فقد جاء باسلوب الاستفهام التحضيضي . وهذا أدعى إلى التفكير واتخاذ القرار دون ضغط ولا إكراه . وأما الثاني"فاتقوا الله .."فقد جاء بصيغة الأمر بعد التفكير و التعليل وتقرير أمانة الرسل وأن الأمرقد اتضح الأمر وظهر الحق لذي عينين .أما موسى فقد أرسله الله تعالى إلى فرعون وقومه فهم
-ظالمون
-لا يتقون
"وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين ، قوم فرعون ألا يتقون ؟ !!"
6-وقد يأمرك أحدهم بأمر لك فيه مصلحة وله فيه - منك - مصلحة دنيوية . أما الرسل الكرام فهم يدعون لوجه الله لا يريدون منا جزاء ولا شكورًا"وما أسألكم عليه من أجر ، إن أجري إلا على رب العالمين"وثواب الأنبياء على دعوتهم كبير جدًا وعظيم جدًا لا يقدر عليه البشر ، ويؤديه إليهم رب البشر واهب النعم ، وجزاؤه خير الجزاء ، ألم يعلمنا النبي عليه الصلاة والسلام أن نقول لمن أدى إلينا معروفًا ونريد له المكافأة الكبيرة"جزاك الله عنا كل خير"؟
أما الآية"فاتقوا الله وأطيعون"فقد وردت في الحديث عن نوح وهود وصالح مرتين وذلك لطغيان قوم نوح وقوم هود وقوم صالح فقد مكث نوح عليه السلام بينهم الف سنة إلا خمسين عامًا يحاجّونه ويؤلبون عليه سفهاءهم ويكذبونه وطال عليهم الأمد حتى مل منهم ويظهر ألمه هذا في سورة القمر"فدعا ربه أنى مغلوب فانتصر. وأما قوم هود فلأنهم تجبروا وبطشوا بالمؤمنين وبمن حولهم من القرى ، واعتمادهم على قوة أجسادهم وضخامتها ، ولبطرهم وغناهم وما أمدهم به الله تعالى من مال وبنين وأنعام وجنات وعيون فكانوا لنعمه جاحدين . وأما قوم صالح فلأن الله تعالى هيّأ لهم حياة هنية وغنى فاحشًا وقوة جسدية مكنتهم من حفر الجبال واتخاذها بيوتًا، ثم طلبوا آية فأرسل الله لهم الناقة فظلموا بها وعتَوا عن أمر ربهم"
أما في الحديث عن قوم لوط وعن شعيب مع أصحاب الأيكة فقد وردت الآية"فاتقوا الله وأطيعون"مرة واحدة ولعل المتتبع للسورة يجد أن مفاسدهم كانت فيما بينهم ، وأن مكوث النبيّيْن الكريمين بينهم كان أقل - والله أعلم -.
وثاني التأملات في هذه السورة الكريمة التعليل وذكر السبب:
والتعليل لأسباب كثيرة أيضًا منها:
البراءة والإعذار .
توضيح الأمور وتبيانها .
أن يتحمل المعنيّ مسؤولية قوله وفعله .
أن يكون صاحبَ القرار الأخير فيما يتصرف.
وسأذكر بعض الأمثلة:
-فسيدنا إبراهيم أعلن عداوته للأصنام ورفض عبادتها ، وأكد عبوديته لله رب العالمين للأسباب التالية:"الذي خلقني ، فهو يهدين ."
والذي هو يطعمني ويسقين .
وإذا مرضت فهو يشفين .
والذي يميتني ثم يحيين .
والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين .""
ولأن الله تعالى صاحب الأمر والنهي الذي يستحق العبادة فأنا أدعوه وحده فهو المجيب الذي يلجأ إليه كل المخلوقات في الدعاء وهو الذي أسأله"وإذا سألتَ فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله"فقال:"رب هب لي حكمًا ، وألحقني بالصالحين ."
واجعل لي لسان صدق في الآخِرين .
واجعلني من ورثة جنة النعيم
ولا تخزني يوم يُبعثون ، يوم لا ينفع مال ولا بنون ، إلا
من أتى اللهَ بقلب سليم""
-والشياطين لا يمكنهم أن يسترقوا السمع"وما تنزلت به الشياطين ، وما ينبغي لهم ، وما يستطيعون"فلماذا ؟ وما السبب؟"إنهم عن السمع لمعزولون"
-وأمر الله تعالى رسوله الكريم أن يتوكل عليه"وتوكل على العزيز الرحيم"فلماذا؟ السبب: أنه تعالى هو"العزيز الرحيم"
الذي يراك حين تقوم ، وتقلبك في الساجدين
إنه هو السميع العليم .""
-ويقول الله تعالى"والشعراء يتبعهم الغاوون"فلم يارب ؟ فالجواب:
"ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ؟!"
وأنهم يقولون ما لا يفعلون ؟!""
وثالث هذه التاملات الاعتبار بمصائر الآخرين
فمن كان ذا قلب حي وبصيرة نافذة ادّكر ووعى ، وعمل صالحًا ونأى عن مواطن الخطأ ، وأقبل على الله تعالى بقلب منيب . والله تعالى حين يقص علينا مصارع الظالمين ونهايتهم المخيفة يحذرنا أن نسير سيرتهم وأن نسير على منوالهم كي لا ننتهي نهايتهم .
-فكيف كانت نهاية فرعون وملئه؟"قال سبحانه"فأخرجناهم من جنات وعيون ، وكنوز ومقام كريم"كانوا يتمتعون بها في مصر ثم استدرجهم إلى خليج السويس لينجي المؤمنين بقيادة النبيين موسى وهارون وليقضي عليهم غرقًا"وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين"."
-وكيف قُضي على قوم نوح ؟ أغرقهم الله تعالى بالطوفان العظيم فلم يبق منهم أحدًا ، ونجّى نوحًا والمؤمنين معه بالسفينة التي صنعها النبي الكريم"فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ، ثم أغرقنا بعدُ الباقين"