-ومن الأدب أيضًا مع الله تعالى أنْ نسَب الفتى نسيانه أمر السمكة إلى الشيطان ، واعتبر هذا النسيان عيبًا. والعيب كله في الشيطان عدو الإنسان . مع أن الله تعالى كان أخبر نبيه موسى أنه سيلقى الرجل الصالح في المكان الذي يفقد فيه الحوت . فهو أمر مخطَّط له كي يحدد المكان فلا يخطئه .
-والحقيقة أن موسى وفتاه نسيا المكان وسارا لأنهما لم يقولا"إن شاء الله"فيما عزما عليه ، فموسى أخبر فتاه عن عزمه على بلوغ مجمع البحرين دون أن يربط ذلك بمشيئة الله تعالى ، وكذلك فعل فتاه فدمجهما الله تعالى بذكرهما في النسيان".... نسيا حوتهما ..."وكان النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن سأله عن الروح والفتية - أصحاب الكهف - وذي القرنين إنه سيعطيهم الجواب غدًا دون أن يربط ذلك بمشيئة الله فتأخر الجواب خمسة عشر يومًا ثم نزل عليه قوله تعالى:"ولا تقولنّ لشيء: إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله"وأمره أن يذكر الله تعالى ، فقال:"واذكر ربك إذا نسيت ، وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدًا".
-ومن الأدب التربوي في هذه القصة كذلك أن موسى حين علم بخطئه وخطأِ فتاه لم يشغل نفسه بلوم نفسه أو لوم صاحبه فهناك أمر مهم جدًا عليهما تداركه قبل فواته . إنه لقاء الرجل المعلم . فماذا فعلا ؟ إنهما
أ - عادا سريعًا لم يضيعا الوقت ، والدليل على ذلك قوله تعالى:"فارتدا ..."وهذه الكلمة مع الفاء - حرف العطف والترتيب والتعقيب - تدلان على سرعة الحركة والعزم على الوصول بقوة إلى الهدف .
ب- عادا من حيث جاءا ، يستهديان بآثار الخطوات التي مشياها كي لا ينحرفا عن الصخرة"... على أثارهما قصصًا ...".
جـ - فكان عاقبة سرعتهما وجَدِّهما أن وصلا إلى الهدف فورًا"فوجدا عبدًا من عبادنا ...".
-بعض صفات المعلم الرباني:
أ - هو عبد من عباد الله تعالى ، والعبودية لله أعلى مراتب الإنسانية ، لأن صلة العبد بربه تسمو به، وتفتح له مغاليق الأمور . وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الرجل الصالح هو الخضر ، فقد روى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز تحته خضراء"هذا حديث صحيح غريب ، والفروة هنا وجه الأرض . ... قيل: إنه عبد صالح غير نبي ، والآية تشهد بنبوته لأن بواطن أفعاله لا تكون إلا بوحي . والإنسان يتعلم عادة ممن فوقه ، ولا يتعلم نبي إلا من نبي ، ولا يجوز أن يكون فوق النبي من ليس بنبي . وقيل غير ذلك ، ولا يهمنا هذا الأمر بشيء ، وذكرناه للعلم به فقط .
ب -"آتيناه رحمة من عندنا"قيل هي النبوة . وقيل النعمة أيضًا . فهو رحيم . والمعلم الرحيم بتلاميذه يعمل على تعليمهم برفق ، ويتقرب إليهم ، ويتحبب إليهم ليأنسوا إليه فيحبوه ويأخذوا عنه علمه .
جـ- كان علم موسى بظواهر الأحكام ، وعلم الخضر معرفة بواطنها . كما أن العلم اللدني من الله مباشرة ، ليس لأحد من البشر فضل تعليمه .
-من أدب التعلم:
أ - التلطف في الطلب ، فلم يفرض موسى عليه السلام نفسه على الخضر عليه السلام على الرغم أن الله تعالى أخبر الخضر بلقائه ليتعلم منه . إنما تلطف في عرضه بصيغة الاستفهام التي تترك مجالًا للمسؤول أن يتنصل إن أراد .
ب - جعل نفسه تابعًا حين سأله"هل أتبعك .."فالتلميذ تابعٌ أستاذه مسلمٌ إليه قياده ، وهذا أدعى إلى التناغم بينهما .
ت - العلم يرفع صاحبه . وهذا ما أقرّ به موسى للخضر حين عرض عليه أن يتابعه شرط أن يعلمه"على أن تعلمن .."وهذه التبعية ترفع المتعلم . أما التبعية من ذل أو لعاعة من دنيا يصيبها فسقوط للمتبوع ، وكبر للتابع .
ث - الواقعية في الطلب: فهو لم يطلب منه أن يعلمه كل شيء ، إنما طلب أن يعلمه شيئا مما علمه الله تعالى:"... مما عُلّمْتَ .."وهذا تواضع في الطلب فهو عليه السلام لم يكلف أستاذه شططًا ... لقد طلب العلم المفيد الذي تسمح به نفس معلمه .
ج - طلب النفيس من العلم: فالله تعالى علم الخضر علمًا لدنيًا نفيسًا يريد موسى بعضه ، ولم يطلب العلم الدنيوي ، وإن كان مفيدًا إنما طلب الهدى والرشاد الذي يبلغه المقام الأعلى في الدنيا والآخرة ، وحدد نوع العلم فقال:"مما علمت رشدًا"وضد الرشد الهوى والضلال ، وهذا ما لا نريده .
ح - قوله تعالى"مما عُلّمْت رشدًا"تذكير للمعلم أن الله تعالى أنعم عليه بالرشاد والهدى والسداد . ومن شُكْرِ النعم أن يعلّم عبادالله بعضًا مما أكرمه الله به ، فتزداد حظوته عند خالقه ، ويزيده علمًا. ومن دل على خير كان له مثل أجر فاعله .