فهرس الكتاب

الصفحة 12663 من 27345

إلا أن المؤرخين قد عنوا كثيرًا ـ وهم يتكلمون عن هذا الحادث الفذ بذكر حوادث الإيذاء التي كانت تصيب الرسول وأصحابه، ومن هنا ألبست أرباب الهوى الخاص ـ وهم يكتبون سيرة النبي العربي .. ثوب الفرار وعدم الصبر والاحتمال في القيام برسالته، ولم يتورعوا ـ إمعانًا فيما يشتهون ـ أن يطلقوا عليه:"النبي الفار"وقد ظنوا أن هذا الثوب المهلهل الذي خلفوه على هذا الحادث العظيم، يستطيع أن يستر الحقيقة التي يحملها بين جنبيه"، والتي لم تلبث بعد الوصول إلى المدينة أن سطع نورها، وانتشر أريجها، وبدأت الغشاوة التي وضعها الجهل على العقل البشري حينًا من الدهر، والواقع أن هذه الهجرة (البدنية) لم تكن إلا أثرًا من آثار هجرة القلوب عما كان عليه القوم من عقائد فاسدة، وشرائع باطلة، وعادات وتقاليد كان لها في هدم الإنسانية ما ليس للمعادلة القوية في تقويض البناء الشامخ العتيد. وهكذا مع الهجرة، وكان مبدأ الوجود الدولي للمسلمين، الذين لم يكونوا قبلها إلا أفرادًا مضطهدين معذبين مبعثرين، وصار لهم بها وحدة. لها شعارها الخاص، ونظامها الخاص، وهدفها الخاص، وقيادتها الخاصة."

* وأخيرًا: فمما يبعث على الأسى المرير: أن المسلمين في الآونة الأخيرة، لم يعوا مثل هذا الفكر الإسلامي البنّاء، فقد أهملوا البناء الذي شيده خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ شغلتهم الدنيا عنه، وهو حصنهم وملاذهم، تفرّقوا سدى، وهانت أمتهم التي أرادها الله خير أمة أخرجت للناس، أصبحت مطمعًا حتى لأخس خلق الله من سلالة القردة والخنازير، لم يعد لها وزن يذكر في موازين القوى العالمية على الرغم من أنها تمثل (خُمس) سكان المعمورة. هم اليوم غثاء كغثاء السيل، نزع الله المهابة منهم من قلوب أعدائهم، وقذف في قلوبهم الوهن، حب الدنيا وكراهية الموت ـ كما تنبّأ به لك الرسول الصادق ـ صلوات الله عليه وسلام‍

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت