فهرس الكتاب

الصفحة 12670 من 27345

نعم إن أجر تلاوة القرآن عظيم كما جاء في الحديث"إن في كل حرف عشر حسنات لا أقول (ألم) حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف"، ولكن أجر تأمله وتدبره أعظم من أجر تلاوته، وهذا ما فهمه الصحابة وهم رواة أحاديث فضل التلاوة، فقدموا أجر التدبر على ما دونه وهو أجر التلاوة نظرًا أو حفظًا، ومن الملاحظ في آيات التدبر السابق ذكرها أنها جاءت بصيغة الخبر والزجر والحكاية عن أقوام أعرضوا عن تدبر القرآن فخسروا الدنيا والآخرة. تدل آية النساء على أن تدبر القرآن بتأمل معانيه ودلالاته سبب للألفة والوحدة والاتفاق، والإعراض عن تأمله أو الاكتفاء بتلاوته فقط سبب للفرقة والاختلاف والنزاع، وتدل آية (ص) على أن القرآن لم ينزله الله إلا من أجل التدبر، وفي التدبر بركة في العلم والعمل، ومن أعرض عن تدبره فهو مسلوب العقل، أما الآيتان من سورة (محمد) ففيهما أن من لم يتدبر القرآن فهو مقلّد جامد فيه شبه بأهل الجاهلية حيث أقفلوا عقولهم فلا يصل إليها من ضياء العلم والنور شيء، وهذا على مستوى الأفراد والشعوب والأمم، وها هو القرآن بين أيدي الناس اليوم يتلونه صباح مساء، وهذه أحوالهم التي لا تُحمد!! فلم يغن عنهم شيئًا، وأما آية سورة (المؤمنين) فتدلّ على أن كل من لم يتدبر القرآن، ويتأمل آياته فهو جاهل بليد ومتخلف جامد، ولو كان يُشار إليه بالبنان عند قومه، نعم لقد وردت نصوص وآثار عن السلف توحي بالتحرّج والتأثم في تفسير القرآن وجاءت نصوص أخرى تدعو إلى وجوب التدبر والتأمل فاتخذ الناس الأولى إلى ما شاء الله لهم منهجًا؛ لأنها أسهل وأدعى إلى الركود والدعة بحجة التدين والورع وأعرضوا عن الثانية لما فيها من النفع والجد وامتثال الأمر، فمن النصوص المشعرة بالتأثم في تفسير القرآن وتأويله حديث جندب بن عبد الله عند أبي داود والترمذي"من قال في كتاب الله عز وجل برأيه فأصاب فقد أخطأ"ومثل حديث ابن عباس عند الترمذي"من قال برأيه في القرآن أو بلا علم فليتبوأ مقعده من النار"وثبت عن أبي بكر وعمر لما سُئلا عن قوله (وفاكهة وأبا) قال أبو بكر: أي سماء تظلّني، وأي أرض تقلّني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟ وقال عمر: هذه الفاكهة عرفناها فما الأبّ؟ ثم رجع إلى نفسه، وقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر؟! أما حديث جندب وابن عباس فلا يصح إسنادهما؛ ففي الأول سهل بن حازم القطيعي ضعفه البخاري وأبو حاتم وغيرهما، وفي الثاني عبد الأعلى بن عامر التغلبي ضعفه الإمام أحمد والنسائي وأبو زرعة وآخرون، وكذلك العكس، وإنما قد يصيب الرجل الأمر ولا يحصل له الأجر، أما الحديث الثاني فيتعين حمل معناه لو صح سنده على من فسّر القرآن أو قال فيه برأيه من المغيبات التي لا يعلمها إلا الله كالآجال وحقيقة الجنة والنار، وكيفية صفات الله سبحانه وتعالى ونحو ذلك، أو في الأحكام الشرعية من التحليل والتحريم.

ثم إن الذين حفظوا القرآن عن ظهر الغيب من الصحابة لا يتجاوز عددهم أربعة فقط (علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وأُبيّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود) وأبو بكر وعمر ليسا منهم مع فقههما وعلمها بالقرآن، كما ذكر ذلك الإمام الذهبي وغيره، بل إن أبا بكر توفي ولم يختم القرآن، وعبد الله بن عمر بقي يحفظ سورة البقرة ثماني سنين، وهو أكثر الصحابة بعد أبي هريرة حفظًا ورواية لأحاديث رسول الله، ولما أتم حفظها ذبح بقرة شكرًا لله. أكان يعجز عن حفظ هذه السورة ببضع دقائق؟! لا والله، ولكنه الفقه والتدبر قبل الحفظ وأثناء التلاوة.

قال ابن تيمية في جامع المسائل (5/41) :"إن نقلة الآثار قل فيهم الفقه والعقل كما أن ذوي النظر والاعتبار ضعف علمهم بآثار النبيين، ولن يتم الدين إلا بمعرفة الآثار النبوية، وفقه لمقاصدها الشرعية".

أما الآثار المروية عن السلف كأبي بكر وعمر في التوقف من التفسير بالرأي، فغير صحيح؛ إذ كيف يجهل أبو بكر وعمر وهما عربيان كلمة (الأبّ) في اللغة؟ وتفسير القرآن باللغة أحد أنواع التفسير كما يقول ابن عباس:"التفسير على أربعة أوجه: تفسير لا يعذر أحد بجهله، وتفسير تعلمه العرب من كلامها، وتفسير من ادّعى علمه فهو جاهل، وتفسير تعلمه العلماء".

ثم إذا كانت آيات الأحكام (500) آية على أكثر تقدير فإن جملة آيات القرآن كما يقول ابن عباس (6600) آية، فهل يترك أكثر من ستة آلاف آية من القرآن بدعوى الورع والزهد، ثم هذه وأمثالها قضايا أعيان لا عموم لها، فلا تصح دليلًا، فكل من روي عنه التوقف من السلف في تفسير القرآن بالرأي في موضع فقد روي عنه التفسير بالرأي في موضع آخر، فهذا أبو بكر صاحب المقولة السابقة في تفسير (الأبّ) في سورة عبس فسر (الكلالة) في آية النساء برأيه لمّا سُئل عنها قال: إني سأقول فيها برأيي فإن يكن صوابًا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان: الكلالة ما عدا الوالد والولد"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت