ولكن الشيخ انخدع - مع الأسف - فيما ذهب إليه من صحة تحديد الربح مقدما في المضاربة ببعض الآراء الشاذة التي ألقيت في المؤتمر السابع لمجمع البحوث الإسلامية ( 1972) من كون القاعدة الفقهية القائلة بعدم تحديدها مجرد اجتهاد فقهي يصح الخروج عليه ، وقلدها ، وروجها باسمه ، واعتبرها إنجازا عصريا مستجيبا فيها لدعوة الحداثة والتغريب ، والليبرالية !! غير ملتفت إلى ما جاء في هذا المؤتمر نفسه ببحث فضيلة الإمام الأكبر الأسبق الاستاذ الدكتور عبد الرحمن تاج من الرد على هذه الآراء والقضاء عليها في مهدها ، قبل أن يبعثها الشيخ طنطاوي من أكفانها .
ومن هنا فلا يصح إطلاق القول بأن شروط المضاربة جميعها شروط اجتهادية من وضع الفقهاء لا سند لها من كتاب أو سنة ، كما يزعم الشيخ طنطاوي: لأن اتفاق الفقهاء على هذه الشروط لم يحدث عرضا أو اعتباطا ، بل لأنهم رأوا إقرارَ الرسول صلى الله عليه وسلم للمضاربة ، وعملَ أصحابه بها .. رأوا ذلك الإقرار وذلك العمل واردا على معاملة خاصة ، من مقوماتها أن يكون الربح بين صاحب المال وبين العامل مشاعا ، فاعتبروا ذلك وقيدوا به هذه المعاملة ، وبينوا أنه إذا لم يتحقق لم تتحقق ماهية المضاربة التي تعامل بها السابقون وأقرها صاحب الشريعة [29]
إن محاولة التخلص من هذا الشرط - شرط عدم تحديد مبلغ الربح في المضاربة الصحيحة- بدعوى أنه شرط اجتهادي لم يرد به نص في كتاب أو سنة هي محاولة مبنية على زعم باطل
كما أنها لا تتفق مع نص القانون المدني في المادة الخامسة والخمسين التي تنص على أنه ( إذا اتفق على أن أحد الشركاء لا يساهم في أرباح الشركة وخسائرها كان عقد الشركة باطلا ) .
وبعد فإذا كنا قد تعرضنا في هذا المقال لمجموعة من الأوهام
وهم حصر الربا فيما يكون أضعافا مضاعفة
وهم حصر الربا في الأصناف الستة
وهم حصر الربا في الصورة البيئية في الجاهلية
وبخصوص الأوهام الطنطاوية:
وهم حصر الربا في القروض الاستهلاكية
وهم القول بأن البنوك الموصومة بالربا تقوم بعمليات استثمارية
وهم القول بأن البنوك لا تخسر وإذا خسرت عوضت ما خسرته
وهم القول بأن اشتراط عدم تحديد الربح مقدما في المضاربة اجتهاد محض يمكن تجاوزه
فقد بقي فيها وهمان رئيسيان:
وهم وجود توكيل من المدخر للبنك بالاستثمار ، أو من البنك للمستثمر ، فإذا قلنا فأين هو هذا التوكيل ؟ قالوا: يكفي النية ؛ فدخلنا في وهم آخر:
وهم كفاية النية ، كفاية نية التوكيل وإن لم يصرح به الطرفان أو أحدهما . ومع أنه لم يعد هناك موضوع لرد هذين الوهمين لقيامهما على وهم الاستثمار وقد أسقطناه ، إلا أن فتوى الشيخ تتمادى في سلسلة الأوهام ، وتدفع بها إلى مجلس المجمع ليصدر فتوى عام 2002 التي أوهمت بدورها أنه يساند الشيخ وما هو من ذلك في شيء ، غير المشاركة في صنع أوهام يقتات بها الجمهور الربا في نهاية المطاف ، ولهذا مقال قادم
والله أعلم
[1] \ أنظر كتابه ( الربا في نظر القانون الإسلامي ) ص 12
[2] أنظر كتابه"معاملات البنوك وأحكامها الشرعية ) ط 15 ص 98"
[3] أنظر قرارات المؤتمر في كتاب المؤتمر الصادر عن الأزهر لعام 1385 \ 1965 ص 401
[4] \ أنظر كتابه"معاملات البنوك وأحكامها الشرعية"ط 15 ص 79
[5] أنظر بحث الشيخ عبد الوهاب خلاف المشار إليه في صلب البحث أعلاه
[6] كتابه المشار إليه سابقا ط15 ص 88
[7] أنظر ( مشكلة الاستثمار في البنوك الإسلامية وكيف عالجها الإسلام ) للدكتور محمد صلاح محمد الصاوي ، رسالة دكتوراة بالأزهر نشر دار الوفاء ط1 ص 535
[8] في هذه الصورة يخالف الشيخ طنطاوي بحق أستاذه الشيخ عبد الوهاب خلاف في تجويزه إياها بتأويلها على أنها من باب بيع السلعة بثمن مؤجل يزيد على ثمنها في حالة البيع بثمن حال ، كما جاء في مقالته بمجلة لواء الإسلام السنة الرابعة العدد الحادي عشر والثاني عشر 1370 ، 1951
[9] كتابه السابق الإشارة إليه ص 91
[10] \ أنظر كتابه ( معجزة الإسلام في موقفه من الربا )
[11] كتاب معاملات البنوك وأحكامها الشرعية 107
[12] المصدر السابق ص 86
[13] أنظر كتاب معاملات البنوك وأحكامها الشرعية للشيخ طنطاوي ط 15 ص 116
[14] المصدر السابق 126
[15] بداية المجتهد جـ 2 صـ 236
[16] \ المصدر السابق .
[17] كتاب معاملات البنوك وأحكامها الشرعية ط 15 ص 108
[18] \ كتابه السابق الإشارة إليه ط 15 ص 86
[19] كتاب معاملات البنوك وأحكامها الشرعية ط 15 ص125
[20] أنظر كتاب الشيخ طنطاوي ص 95
[21] كتاب المعاملات المصرفية والأحكام الشرعية ص 130- 131
[22] \ الخليج 12 \ 1 \1992
[23] \ الخليج 17\1 \1997
[24] \ الخليج 1\ 4 \1998
[25] المعاملات المصرفية والأحكام الشرعية ط 15 ص 130 - 131
[26] المصدر السابق ص 131
[27] \ أنظر بداية المجتهد .
[28] \ أنظر بداية المجتهد .