و كان مَثله كَمَثَلِ الشَّيْطَان إِذْ يُسَوّلُ للإنسان الْكُفْر فَإِذَا دَخَلَ فِيمَا سَوَّلَهُ لَهُ تَبَرَّأَ مِنْهُ وَ تَنَصَّلَ وَ قَالَ: ( إِنِّي أَخَاف اللَّه رَبّ الْعَالَمِينَ ) . وَ قَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الرواة من قصص بني إسرائيل ما يصلح مثالًا لما نحن بصدده فروى اِبْن جَرِير في تفسيره عن عَبْد اللَّه بْن نَهِيك قَالَ: سَمِعْت عَلِيًّا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَقُول: إِنَّ رَاهِبًا تَعَبَّدَ سِتِّينَ سَنَة وَ إِنَّ الشَّيْطَان أَرَادَهُ فَأَعْيَاهُ فَعَمَدَ إِلَى اِمْرَأَة فَأَجَنَّهَا وَ لَهَا أخوة فَقَالَ لإخوَتِهَا: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقَسّ فَيُدَاوِيهَا قَالَ: فَجَاءُوا بِهَا إِلَيْهِ فَدَاوَاهَا ، وَ كَانَتْ عِنْده فَبَيْنَمَا هُوَ يَوْمًا عِنْدهَا إِذْ أَعْجَبَتْهُ فَأَتَاهَا فَحَمَلَتْ فَعَمَدَ إِلَيْهَا فَقَتَلَهَا فَجَاءَ إخوتها ، فَقَالَ الشَّيْطَان لِلرَّاهِبِ: أَنَا صَاحِبك ، و إِنَّك أَعْيَيْتنِي ، أَنَا صَنَعْت هَذَا بِك فَأَطِعْنِي أُنْجِك مِمَّا صَنَعْتُ بِك فَاسْجُدْ لِي سَجْدَة فَسَجَدَ ، فَلَمَّا سَجَدَ لَهُ ، قَالَ: ( إِنِّي بَرِيء مِنْك إِنِّي أَخَاف اللَّه رَبّ الْعَالَمِينَ ) فَذَلِكَ قَوْله تعالى: ( كَمَثَلِ الشَّيْطَان إِذْ قَالَ للإنسان اُكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيء مِنْك إِنِّي أَخَاف اللَّه رَبّ الْعَالَمِينَ ) . وَ روى اِبْن جَرِيرٍ أنّ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود رضي الله عنه قال فِي هَذِهِ الآية: كَانَتْ اِمْرَأَة تَرْعَى الْغَنَم وَكَانَ لَهَا أَرْبَعَة إخوة وَكَانَتْ تَأْوِي بِاللَّيْلِ إِلَى صَوْمَعَة رَاهِب قَالَ فَنَزَلَ الرَّاهِب فَفَجَرَ بِهَا فَحَمَلَتْ فَأَتَاهُ الشَّيْطَان فَقَالَ لَهُ اُقْتُلْهَا ثُمَّ اِدْفِنْهَا فَإِنَّك رَجُل مُصَدَّق يُسْمَع قَوْلك فَقَتَلَهَا ثُمَّ دَفَنَهَا قَالَ فَأَتَى الشَّيْطَان إخوتها فِي الْمَنَام فَقَالَ لَهُمْ إِنَّ الرَّاهِب صَاحِب الصَّوْمَعَة فَجَرَ بِأُخْتِكُمْ فَلَمَّا أَحْبَلَهَا قَتَلَهَا ثُمَّ دَفَنَهَا فِي مَكَان كَذَا وَكَذَا فَلَمَّا أَصْبَحُوا قَالَ رَجُل مِنْهُمْ وَاَللَّه لَقَدْ رَأَيْت الْبَارِحَة رُؤْيَا مَا أَدْرِي أَقُصّهَا عَلَيْكُمْ أَمْ أَتْرُك ؟ قَالُوا لا بَلْ قُصَّهَا عَلَيْنَا قَالَ فَقَصَّهَا فَقَالَ الآخر وَأَنَا وَاَللَّه لَقَدْ رَأَيْت ذَلِكَ فَقَالَ الآخر وَأَنَا وَاَللَّه لَقَدْ رَأَيْت ذَلِكَ قَالُوا فَوَ اَللَّهِ مَا هَذَا إِلا لِشَيْءٍ قَالَ فَانْطَلَقُوا فَاسْتَعْدَوْا مَلِكهمْ عَلَى ذَلِكَ الرَّاهِب فَأَتَوْهُ فَأَنْزَلُوهُ ثُمَّ اِنْطَلَقُوا بِهِ فَلَقِيَهُ الشَّيْطَان فَقَالَ إِنِّي أَنَا الَّذِي أَوْقَعْتُك فِي هَذَا وَلَنْ يُنْجِيك مِنْهُ غَيْرِي فَاسْجُدْ لِي سَجْدَة وَاحِدَة وَأُنْجِيك مِمَّا أَوْقَعْتُك فِيهِ قَالَ فَسَجَدَ لَهُ فَلَمَّا أَتَوْا بِهِ مَلِكهمْ تَبَرَّأَ مِنْهُ وَأُخِذَ فَقُتِلَ .
إنّها حبائل إبليس ، و تلبيسات الخسيس ، فالحذارِ الحذار ، و إلا فالنّار و العار و الشنار و الدمار .
و من تلبيس إبليس على العباد تزيين الباطل لهم ، و تقريب الذرائع ليوقعهم ، حتى يتوسّعوا في الرخص ، فيصيروا إلى الحِيَل ، و يقعدوا عن النوافل ، فيصيروا إلى ترك ما وجب من العمَل .
و إذا اجتمعت على المرء غربة الدين و غربة الدار ، صار إلى حالٍ ليس لها من دون الله كاشفة ، ما لم يُقيَّض له من يُمسك بيده ، أو يأخذ عن النار بحُجَزه ، فيقف بالنصيحة إلى جانبه ، يأمره بالمعروف و ينهاه عن المنكر ، يعينه إن ادّكر ، و يواسيه إن صَبَر .
و من هذا الباب تأتي موعظتنا الساعةَ ، حبًّا في الخير للغير ، فقد روى الستة و أحمد عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه ، أنّ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) )، و دعوةً إلى الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، رجاء أن نكون من المصلحين ، كي لا يعمّنا الله بعذاب من عنده ، قال تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُون َ [هود:117] .
و روى أحمد و أبو داود و الترمذي ، و اللفظ له عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم أنّه قَالَ: « وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ » . قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .