فهرس الكتاب

الصفحة 12839 من 27345

وأخرج ابن أبي شيبة (2/502) عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال:"اقرأوا القرآن في سبع ولا تقرأوه في ثلاث"وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي داود - كما في الفتوحات (231/3) - عنه (رضي الله عنه) أنه قال:"لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث".وأخرج ابن أبي شيبة وأبو عبيد والطبراني في الكبير كما في المجمع (2/269) عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال:"من قرأ القرآن في أقل من ثلاث فهو راجز". وقال أبو عبيد:"إلا أن الذي أختار من ذلك أن لا نقرأ القرآن في أقل من ثلاث للأحاديث التي ذكرناها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من الكراهة لذلك".

وقال النووي في التبيان (ص48) :"وقد كره جماعة من المتقدمين الختم في يوم وليلة، ويدل عليه الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث"وقال الحافظ ابن كثير:"وقد كره غير واحد من السلف قراءة القرآن في أقل من ثلاث"كما هو مذهب أبي عبيدة وإسحاق بن راهويه وغيرهما من الخلف أيضًا".

وقال شيخ الإسلام:"فالصحيح عندهم أنه أمره - عبد الله بن عمرو - ابتداءً بقراءته في الشهر، فجعل الحد ما بين الشهر إلى الأسبوع ..ولا يلزم إذا شرع فعل ذلك أحيانًا - التثليث - لبعض الناس أن تكون المداومة على ذلك مستحبة، ولهذا لم يُعلم من الصحابة على عهده مَن دوام على ذلك ؛ أعني على قراءته دائمًا فيما دون السبع ؛ ولهذا كان الإمام أحمد - رحمه الله - يقرؤه في كل سبع".

أما ما نقل عن السلف مما ذكرنا طرفًا منه فقد اختلفت مسالك العلماء في الإجابة عليه ، فمنهم من حمل ذلك على أنه لم يبلغهم النهي ومنهم مَن رأى أنهم لم يحملوا الحديث على المنع من ذلك ، ومنهم مَن رأى أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص.

وها هنا أمور لعل بها يتضح وجه المسألة:

أولًا: أن ورود ذلك عن السلف والصحابة بوجه أخص لا يعني المداومة عليه ؛ خاصة أن الكثير ممن روي عنه ذلك - كعثمان وتميم وغيرهم - رُوي عنه أنه كان يختم في سبع ، بل قد نفى ذلك شيخ الإسلام -رحمه الله - وهو من أعلم الناس في مثل ذلك فقال:"ولهذا لم يعلم في الصحابة على عهده من دوام على ذلك أعني قراءته دائمًا فيما دون السبع".

ثانيًا: علل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك بعلتين الأولى عدم الفقه ، والثانية قوله لعبد الله"فإن لزوجك عليك حقًا ولجسدك عليك حقًا ولأهلك عليك حقًا". فالرجل عليه مسؤولية تجاه أسرته ومنزله وضيفه وكذلك عليه الرفق بنفسه . وختم القرآن في أقل من ثلاث على حساب ذلك غالبًا .

ثالثًا: يجب أن يربط ذلك بالنصوص الأخرى التي تحث على القصد والمقاربة"إن هذا الدين يسر ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة واعلموا أنه لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله". وفي رواية الإمام أحمد لحديث عبد الله بن عمرو (6477) :"فإن كل عابد شرّة ولكل شرة فترة ، فإما إلى سُنة وإما إلى بدعة، فمَن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى ، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك".

رابعًا: أن خير الهدْي هديه - صلى الله عليه وسلم - وهو أعبد الناس وأخشاهم لله وقد غضب على الذين تقالُّوا عبادته ، وفي رواية أحمد لحديث عبد الله بن عمرو أنه قال له:"لكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام ، وأمس النساء فمَن رغب عن سنتي فليس مني"وروى مسلم من حديث عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت:"ولا أعلم نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ القرآن كله في ليلة، ولا صلى ليلة إلى الصبح ، ولا صام شهرًا كاملًا غير رمضان"ونحن متعبدون باتباع سُنته وهديه . مع ما نكنّه في نفوسنا من تقدير وإكبار وإجلال لسلف الأمة . ولذلك قالت عائشة - رضي الله عنها - لما قيل لها إن رجالًا يقوم أحدهم القرآن في ليلة مرتين أو ثلاثًا -"قرأوا أو لم يقرأوا كنت أقوم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة التمام فيقرأ بالبقرة وآل عمران والنساء ، فلا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا ورغب ولا بآية فيها تخويف إلا دعا واستعاذ"والحديث ذكره في الفتوحات (2/231) ونُسب للحافظ أنه قال:"والحديث حسن أخرجه ابن أبي داود وأخرج أحمد المرفوع منه فقط".

خامسًا: هناك وظائف شرعية كالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله وإصلاح الناس، والتي هي من فروض الكفاية ومن أفضل الأعمال الصالحة والأمة لا تستغني عن جهود أبنائها في ذلك . ففي التفرغ لتلاوة القرآن على هذا النحو تعطيل لهذه الوظائف خاصة في هذا العصر، وقد أشار النووي - رحمه الله - إلى شيء من ذلك حين قال في التبيان (ص48) :"وكذا مَن كان مشغولًا بنشر العلم وغيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت