• الوقفة الأولى: أيها المؤمنون لنكن على علم ويقين أن شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمرٌ افترضه الله على هذه الأمة وجعلَ شعارَها الذي تعرف به ووسامَها الذي تفخر به (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ، بل هو أخص صفات المؤمنين وشعارهم الذي به يعرفون ، وإلى الله به يتقربون (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ ) ، بل إنه هذه الصفة العظيمة والعبادَة الرفيعة هي مما مُدح به سيد الخلق وعُرف حتى في الديانات السابقة المبشرة به (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ) فأمة هذا شعارها وهذه صفة أفرادها ، وهذا الوسام الذي عرف به نبيها فأكرم بها من أمة وأكرم به من مجتمع ، فيا عباد الله لا خيار لنا فإن الله أختار لنا هذا الطريق فلا منة لنا أن عملنا به ولا راد لعقوبة الله عنا إن نحن تخلينا عنه .
• الوقفة الثانية: ليعلم أيها المسلمون أن الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر واجبٌ على الأمة إذا قام به البعض سقط عن الباقين وإذا رأى الإنسان منكرًا أو علم عنه ولم ينكره فإنه آثم ومخالف لنص رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان )
وتأمل معي قوله صلى الله عليه وسلم ( من رأى منكم ) لم يقل جهاز الهيئة أو جهاز الأمن بل هي مسؤولية كل واحد من فاتق الله الله يا عبد الله هذا امر مولاك وهذه وصية رسولك وحبيبك فلا تفرط في أي مكان فالمدير في إدارته والمسؤول في عمله والوزير في وزارته والإمام في مسجده والمعلم في فصله وكل فرد في حيه ومسكنه وسوقه والأب في بيته ومع أبناءه وأهله فلا تبخلوا على أنفسكم بالتقرب إلى الله بإحياء هذه الشعيرة .
• الوقفة الثالثة: أيها المسلمون: إن من نعم الله على هذه الامة أنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فبالأمر والنهي تدفع العقوبات وتستجلب الرحمات ، بالأمر والنهي تنعم الأمة وتكثر خيراتها ، وإن تركته لا تسل عنها في أي واد هلكت ، فأمم أهلكت لما قصرت في هذا الأمر بل لعنت وطردت من رحمة الله ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ(78) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ )، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم إن بني إسرائيل لما وقع فيهم النقص كان الرجل يرى أخاه على الذنب فينهاه عنه ، فإذا كان من الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيلُه وشريبُه وخليطُه فضرب الله قلوب بعضهم ببعض )،ورسولنا قد حذرنا فقال بصريح العبارة صلى الله عليه وسلم: ( ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز منهم وأمنع لا يغيرون إلا عمهم الله بعقاب) وقال أيضًا: ( والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه فتدعونه فلا يستجيب لكم ) ، ولا تدفع العقوبة إلا بالأمر والنهي والإصلاح كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لزينب بنت جحش: ( ويل للعرب من شر قد اقترب ...) فلما قالت: أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال: ( نعم إذا كثر الخبث ) ، وكان عمر بن عبدالعزيز يقول: ( إن الله تبارك وتعالى لا يعذب العامة بذنب الخاصة ، ولكن إذا عمل المنكر جهارًا استحقوا العقوبة كلَّهم ) .