فهرس الكتاب

الصفحة 12881 من 27345

ومن نعم الله على عباده أن جعلهم ينامون فيستريحون بالنوم من أذى الإعياء والتعب والنصب، وتطيب به نفوسهم، وترتاح أبدانهم قال تعالى: ? وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا? [ النبأ:9] يعني راحة لأبدانكم وتصور أيها الإنسان حالك إذا جاءك أرق وقلق فلم تستطع النوم كيف سيكون حالك في ليلة واحدة فكيف بالعمر كله .

وأجل النعم وأعظمها هذا الماء النازل من السماء أو المحفوظ في الأرض ينابيع وأنهارًا وآبارًا وبحارًا، قال تعالى: ? وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ? [الأنبياء:30] , وقال: ? أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ ? [ السجدة:27] , وقال: ? أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ? [الواقعة:68-69] .

ومن أعظم النعم وأجلها على الإطلاق نعمة الإيمان والإسلام ونعمة القرآن والاستقامة على دين الله تعالى ونعمة الأخوة في الله حين تجتمع القلوب المتنافرة لتلتقي على حب الله ورسوله الأمم المتناحرة فتوحد الصفوف وتكون كالبنيان المرصوص، ولقد ذكر الله المؤمنين بهذه النعم العظيمة فقال سبحانه: ?وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ? [ آل عمران: 103] .

اللهم اجعلنا معترفين بنعمك شاكرين لآلائك، راضين بقضائك.

أيها المؤمنون إن نعم الله علينا كثيرة جدًا لا نستطيع لها عدًا ولا إحصاءً، فعلينا دائمًا أن نتذكر نعم الله فإذا ذكرناها عظمنا الله وكبرناه وأحببناه من كل قلوبنا لما يغذينا ويعمرنا من نعمه، وهذا التذكر لنعم الله يدفعنا إلى شكر الله تعالى، لأن العبد إذا قصر في شكر الله تعالى وأعرض يكون من الكافرين والله يقول: ? وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ ? [ البقرة: 152] , وقال ? اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ? [ سبأ: 13] والواجب علينا أن نقابل نعم الله بشكره وذكره وحسن عبادته.

ومن ذلك أن نوقن أن الله قد أنعم فأكثر لنا وأجزل وأن كل ما بنا من نعمة فمنه وحده لا شريك له فالخير بيديه والشر ليس إليه، ومن ذلك الثناء على الله عز وجل وحده وإظهار ما في القلب من حقوق هذه النعم باللسان وبالقلب فتجمع عبادتان ومن ذلك علينا إن نجتهد في إقامة طاعته تعالى فعلًا بما أمر به وكفًا واجتنابًا عما نهى عنه، فإن ذلك هو الذي يقتضيه تعظيمه وشكره ولا تعظيم أعظم من امتثال الأمر واجتناب النهي.

ثم لابد أن يكون الإنسان مشفقًا في عامة أحواله من زوال نعم الله تعالى عنه، وجلًا خائفًا من مفارقتها إياه مستعيذًا بالله تعالى من ذلك داعيًا بالدعاء المأثور الذي علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم"اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجأة نقمتك وجميع سخطك..".

ولقد وعد الله الشاكرين بالمزيد وتوعد الكافرين بالعذاب الشديد فقال ? وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ? [ إبراهيم:7] .

ومن شكر نعمة الله أن ينفق الإنسان مما آتاه الله في سبيل الله تعالى، وأن يواسي منه أهل الحاجة وأن لا يدع بابًا من أبواب الخير إلا أتاه.

ومن شكر نعم الله أن يظهر العبد فضل الله عليه ولا يكتم نعم الله ويجحدها ويظهر بمظهر الفقير المعدم وهو من الله في خير وسعة، ولكن دون المباهاة والإسراف.

على الإنسان أن يكثر من حمد الله وشكره في كل وقت وحين كما جاء في الحديث"من قال حين يصبح وحين يمسي اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر إلا أدى شكر ذلك اليوم"وقال صلى الله عليه وآله وسلم:"أفضل الدعاء لا إله إلا الله وأفضل الذكر الحمد لله".

وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أتاه الأمر يَسُرُّهُ قال:"الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات"وإذا أتاه الأمر يكرهه قال:"الحمد لله على كل حال".

وروى عن نبي الله داؤود عليه السلام أنه قال يا رب هل بات أحد من خلقك الليلة أطول ذكرًا مني فأوحى الله إليه نعم الضفدع، وحين أمره الله بالشكر في قوله ?اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ? [ سبأ: من الآية13] قال يا رب كيف أطيق شكرك وأنت الذي تنعم علي ثم ترزقني على النعمة الشكر ثم تزيد في نعمة بعد نعمة، فالنعمة منك يا رب والشكر منك وكيف أطيق شكرك . قال الآن عرفتني يا داؤود حق معرفتي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت