أليس من المصلحة اتباع الحكمة والتروي في تعليم الناس السنة ؟ وأن تكون ممن يثقون بعلمه ودينه لا من حدث في سن أصغر أحفادهم . وثمَّة أثر آخر لذلك وهو أن الناس يهون عليهم التغيير بعد ذلك فقد يقبلون بداعي البدعة أو تبديل بعض شرع الله ؛ لأنهم اعتادوا الخروج عما ألفوه واعتادوه .
2-الاهتمام بها على حساب الواجبات: لا أظن أني أجاوز الحقيقة إذا قلت إن البعض ممن يعرف تفاصيل الأدلة في مثل هذه المسائل قد يخطئ في عدة أركان أو شروط أو مبطلات الصلاة ، وقد لا يفرق تفريقًا دقيقًا بين الواجب والشرط والركن ، ناهيك عما يفسد الصوم وما لا يفسده ، ومسائل المسح على الخفين ، والجبيرة ، وما يصح و ما لا يصح من العقود ، فضلًا عن أدلة هذه المسائل وتفصيلاتها ، بينما يعرف دقائق التفصيلات في هذه السنن . وقُل مثل ذلك عن شروط الشهادتين ولوازمهما ومقتضياتهما ، وأصول أهل السنة والجماعة والحد المخرج عن جماعة أهل السنة والمدخل فيها . أما أصول الفقه واللغة فلا تسأل عنهما !
3-الاهتمام بها على حساب القضايا المعاصرة: لقد ابتلينا في عصرنا الحاضر بانحرافات خطيرة عن دين الله - عز وجل - يصل بعضها إلى الكفر البواح ، كالحكم بغير ما أنزل الله ، وتشريع الأنظمة والقوانين المخالفة للشريعة ، وإباحة الربا والفواحش ، وسن الأنظمة التي تحميها وتنظمها .
والدعوة للسفور وخروج المرأة ناهيك عن العلمانية التي استحكمت خيوطها في جسد الأمة . أما الفرق الضالة فقد بدأت تنفض ركام التاريخ لتعيد أمجاد القرامطة والعُبيديين ، وتحيي ذكريات أبي طاهر وابن العلقمي ونصير الشرك والحاكم بأمره ؛ لترقص على أشلاء أهل السنة في غيبة فوارسهم . ما نصيب هذه الأمور من الاهتمام والدراسة العلمية الرصينة والنقاش والإثارة ، لا أبالغ إذا قلت إن بعض الأخيار يجهل أصول بعض هذه المسائل فضلًا عن تفاصيلها . فضلًا عن الاهتمام بها . ولا يعني هذا إهمال الأمور الفرعية - كما سبق - إنما يجب أن تُعطى قدرها من الاهتمام وتوضع الأمور في نصابها .
4-الإكثار من طرحها واثارتها: وثمَّة موقف آخر يحتاج إلى وقفة ، ذلكم أن البعض كثيرًا ما يردد هذه المسائل في المجالس وكثيرًا ما يقرأ فيها وينقب ويسأل عنها كل مَن لقيه ، وهذا كله على حساب ما هو أهم وأوْلى كما سبق ، أليس من وضع الأمور في نصابها أن نبحثها مرة أو مرتين بقدر ما نصل في ذلك إلى قناعة عملية ثم نشتغل بغيرها ؟ ، فهل هي كل ما نحتاجه لنقرأ فيه ونسأل عنه ونطرحه للنقاش ؟ .
5-التكلف والتشدد في تطبيقها: ما أحوجنا إلى أن نلزم أنفسنا بما فُرض فعله أو تركه ، ونتفقد أنفسنا على ذلك ثم نسعى جاهدين لتطبيق ما نستطيعه من سنن بيسر ودون تشدد أو مبالغة . لقد رأيت أكثر من شخص في موسم الحج والعمرة وقد أطلق شعر رأسه إلى منكبيه اتباعًا للسنة بزعمه وأين هو من قوله - تعالى -: [ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ ومُقَصِّرِينَ ] [الفتح: 27] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: » اللهم اغفر للمحلقين ... « ، ومثله أن يجئ شخص متأخرًا إلى المسجد بعد إقامة الصلاة ويدفع الناس ليصل إلى الصف الأول ، أو يضايقهم ليسوِّي الصف ! وإن مَن يسلك هذا المسلك لابد له من أن يكون ذلك على حساب الفرائض ، أو على حساب سنة أولى منها ، أو إلى الغلو والتشدد الذي قد نُهي عنه ، أو أن يطبق السنة تطبيقًا خاطئًا . سنن مهجورة أوْلى بالإحياء: ثمة فرق واضح بين السنن المهجورة والسنن المجهولة ؛ فالأولى أعم ، فكل سنة لا يعمل بها الناس فهي مهجورة ثم قد تكون مجهولة لدى الناس وقد تكون غير ذلك .
ولقد كان السلف لا يدعون ختم القرآن وتحزيبه ، فقلما تقرأ في ترجمة أحدهم إلا وتجد أنه كان يختم في كذا وكذا ومعظم هدْيهم التسبيع . فأين شبابنا عن التعشير بله التسبيع ، بل أين مَن يختم منهم مرتين في الشهر ، وثالثة الأثافي أن الكثير منا لا يأتي إلى المسجد إلى عند الإقامة وتراه لا يساوم على الصف الأول ، فأين انتظار الصلاة ، والرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة ، وقل مثل ذلك في قيام الليل وصيام النفل والجلوس في المسجد للذكر بعد الصبح ؟ ! .
أين الحريصون على السنة والمتشددون في تطبيقها من هذه السنن ، أليست هذه السنن أولى بالإحياء وفيها ما يدعو إلى حياة القلب وصلاحه وإزالة القسوة التي نشكو منها جميعا . وثانيًا أليس هذا يعطي دليلًا صادقًا للناس على صدقنا ويجعلنا - معشر طلاب العلم - قدوة للآخرين ؟ .
وأخيرًا نستطيع أن نخلص إلى ما يلي:
أولًا: ضرورة العناية من الدعاة إلى الله - عز وجل - بالإسلام جملة وتفصيلًا بالسنن والواجبات بالفروع والأصول ، وأن يتميز الدعاة إلى الله عن غيرهم بالعناية بهذا الأمر .