فهرس الكتاب

الصفحة 13148 من 27345

أولًا: إذا نظرنا في الرؤى الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وتعابيرها: وجدنا أن هناك علاقة ظاهرة بين الرؤيا والتعبير ، نعم لا يصيب في التعبير إلا أهله ، ولكن إذا ذكر المعبر تعبيره لا حظ الناس -كل الناس- العلاقة الظاهرة بين الرؤيا والتعبير. خذ مثلًا تعبير النبي الكريم يوسف عليه السلام: (أحد عشر كوكبًا .. أخوته ) ، (إني أراني أعصر خمرًا ..فيسقي ربه خمرًا) ، (أحمل فوق رأسي خبزًا .. تأكل الطير من رأسه) ، (سبع بقرات سمان .. تزرعون سبع سنين دأبًا ) وهكذا ..سمت ظاهر ، ما خالفه أوجب ريبة في النفوس ، وللسمت الظاهر قوة في الاستدلال ، وقطع للحجة ؛ فماذا ستقول لأصحاب التفسير الباطني أحسن من أن سمت تفسيرهم وصفته الظاهرة مخالفة أتم المخالفة للسمت العام في تفسير الصحابة ممن شهدوا التنزيل رضي الله عنهم أجمعين.

فلا تحقرن هذه العلامة ؛ فإنها منجية لك من مهالك كثيرة.. فأخبروني كيف يعرف الناس الفرقة الناجية من بين ثلاث وسبعين فرقة ؟ حيرة بالغة ، وشك كبير ، سيتبدد جميعًا حين تسمع علامة هذه الفرقة من رسول الهدى"كلها في النار إلا واحدة،وهي الجماعة" (7) وهي من كان على مثل ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه هذا سمتهم وهذه صفتهم الظاهرة يعرفها الجاهل والعالم ، والذكي والبليد فتأمل.

وماذا نفهم من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الرؤيا الحسنة من الله ، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب ، وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان ،وليتفل ثلاثًا ولا يحدث بها أحدًا ، فإنها لن تضره" (8) . ألا يدل هذا على أن هناك علاقة ؟ وإلا فكيف سيمتثل الرائي هذا الحديث ؟! . وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم الأعرابي - في حديث جابر عند مسلم- عن إخباره بتلاعب الشيطان به ، كيف يصح النهي ،والرجل لا يدري عن أي علاقة بين الرؤيا والتعبير ؟! أترى أن التعابير التي أخبر بها يوسف - ذلك النبي الكريم- الذي امتن الله عليه: (ولنعمله من تأويل الأحاديث ) جاءت متناسبة مع الرؤى: مصادفة ؟ وهكذا تعبير محمد صلى الله عليه وسلم جاءت متناسبة مع الرؤى: اتفاقًا ؟! أم أن المناسبة بين الرؤى ،والتعبير إحدى خصائص التعبير المنامي التي لا يجوز تجاوزها (9) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله-"ولهذا كان مدار تأويل الرؤيا على معرفة القياس والاعتبار" (10) وقال في موضع آخر:"وهذا غالب ما يرى ، ويسمع في المنام ، فإنه يحتاج إلى تأول ،وهو بمنزلة الاستعارة والأمثال المضروبة" (11)

ثانيًا: وأيضًا راجع النظرة في الرؤى الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وتعبيرها إنك سترى صفة أخرى فهي غالبًا لا تذكر التفصيلات الدقيقة جدًا ، تعبير ظاهر ليس فيه تفصيل دقيق جدًا مع بلوغ أصحابها الغاية في القدرة على التعبير.

أما هؤلاء فإنهم يفصلون تفصيلًا دقيقًا جدًا ، خلافًا لما عهدناه في تعابير الكتاب والسنة ، وهو كما ترى خلاف في السمت العام ، والصفة الظاهرة يوجب ريبة في النفوس .

ثالثًا: اعترف بعضهم عند خاصته ( وهذا ثابت عنهم ) : أنه يرى شيئًا ويسمع شيئًا يخبر به - ويسميه تعبيرًا - ولو كان هذا موجودًا في المعبرين السابقين لنقل إلينا نقلًا مستفيضًا ،فهو مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله ، كما لو"قال رجل من أهل الجمعة إن الخطيب ضربه رجل بالسيف ،فقتله وهو يخطب على المنبر ، ولم يذكر هذا باقي أهل الجمعة ، جزمنا بأن ذلك كاذب ؛ لان تواطؤهم على كتمان مثل هذا الأمر مستحيل عادة ، ومن هنا قالوا: ما نقل آحادًا مع توفر الدواعي إلى نقله تواترًا حكم ببطلانه" (12)

قال شيخ الإسلام:"كما يستدل بعدم النقل (لما تتوفر الهمم والدواعي على نقله ، وما توجب الشريعة نقله ، وما يعلم من دين أهلها وعادتهم أنهم ينقلونه) على أنه لم يكن" (13) .

أفيعقل أن يوسف عليه السلام ،والمعبرين من قبله ،ومن بعده ، ومحمد صلى الله عليه وسلم ،ومن عبر بعده كانوا يرون صورة التعابير أمامهم أو يسمعون التعبير بآذانهم ولا ينقل إلينا مع تشوف الناس للتعبير ، وكثرة سؤال الناس لهم:من أين لك هذا؟ فيجيبونهم: بأن الأول قال كذا وكذا فكان تعبيره كذا وكذا ..

أما الثاني فقال: كذا .. ولا يذكرون شيئًا يرونه أو يسمعونه (14) .وبهذا نعلم أن المعبرين السابقين لم يكونوا يرون شيئًا أو يسمعون شيئًا ؛ فعدم النقل هنا هو بمثابة نقل العدم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت