فهرس الكتاب

الصفحة 13162 من 27345

فالمهم أن الداعية لابد أن يكون ذا بصيرة في الأسلوب الذي يدعو إليه الناس؛ لأن هذا أمر مهم بالنسبة لقبول الدعوة ورفضها، ولا يخفى علينا ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلّم في كيفية الدعوة إلى الله بالتي هي أحسن، لا يخفى علينا قصة الأعرابي الذي جاء فبال في طائفة من المسجد فزجره الناس وأنكروا عليه، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلّم قال: [دَعُوهُ وَلَا تُزْرِمُوهُ] رواه البخاري ومسلم. فلما فرغ من بوله أمر النبي صلى الله عليه وسلّم بما تزول به هذه المفسدة، وهي أن يصب عليه ذنوبٌ من ماء، أي: دلو أو شبهه، ثم دعا الأعرابيّ، وقال له: [إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ] أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

فتأمل هذه الدعوة إلى الحق بهذا الأسلوب: ماذا تتصور من حال هذا الأعرابي الذي دعاه الرسول عليه الصلاة والسلام إلى تعظيم المساجد بهذا الأسلوب الليّن السهل، إنك لن تتصور إلاَّ أن هذا الأعرابي سيقبل وسيطمئن وسيرتاح، وسيجد الفرق بين ما قام به الصحابة رضي الله عنهم من الزجر، وما قام به النبي صلى الله عليه وسلّم من التعليم الهادئ، الذي ينشرح فيه الصدر، ويطمئن به القلب

3-تخلق الداعية بما يدعو إليه: ومما يجب على الداعية أيضًا: أن يكون أول من يتخلق بما يدعو إليه، فحال الداعية إذا كانت مخالفة لدعوته، لا شكَّ أنه مؤثر في دعوته في ألاَّ تقبل، فإن الناس ينظرون إلى الدعاة غير نظرهم إلى سائر الناس، إذا رأوا الداعية يدعو إلى شيء، ولكنه لا يقوم به، فسيكون عندهم شك فيما دعا إليه، أهو حق أو باطل؟! لأنه سيقول المدعو: إذا كان حقًّا فلماذا لا يفعله، وحينئذٍ يقل قبول الناس له مع ما يلحقه من الإثم العظيم في كونه يدعو ولكنه لا يفعل، يقول الله تعالى منكرًا على بني إسرائيل: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [44] } [سورة البقرة] . فليس من العقل أن يأمر الإنسان غيره بالبر وينسى نفسه؛ لأنه إذا كان برًّا، فليكن هو أول من يدعو إليه، هو أول من ينفذه، هو أول من يقوم به، حتى يكون داعية للناس بمقاله وبحاله

4-أن يكون بصيرًا بما يدعو اليه:و هذا مما يجب على الداعية، فلا يتكلم إلاَّ بما يعلم أنه الحق، أو بما يغلب على ظنه أنه الحق- إذا كان هذا الشيء الذي يدعو إليه مما يسوغ فيه الظن- أما أن يدعو بجهل؛ فإنه يهدم أكثر مما يبني، مع أنه آثم إثمًا كبيرًا، يقول الله سبحانه: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [36] } [سورة الإسراء] . لا تتبع شيئًا لا علم لك به؛ لأنك مسؤول ويقول عزَّ وجلَّ: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [33] } [سورة الأعراف] .

من مفاسد جهل بعض الدعاة:

ونحن نسمع عن بعض الدعاة، أنهم يدعون إلى أمر يجانبون فيه الصواب، و يغلب على ظننا أنهم لم يدعو إلى هذا الشيء عن علم واختيار منهم له ولكنه عن جهل، فيحصل بذلك مفسدتان عظيمتان:

المفسدة الأولى: قبول هذا الباطل الذي دعا إليه هذا الداعية، عن غير علم.

المفسدة الثانية: رد الحق المبني على العلم، كما نشاهد أو نسمع عن بعض الناس في تحريم أشياء ليس لديهم برهان من الله على تحريمها، أو إيجاب أشياء ليس عندهم فيها برهان من الله على إيجابها، فإذا سمع العامّة هذا الداعية يقول بهذا- وهم يحسنون الظن به- رَدّوا الحق الذي عند غيره، وقبلوا هذا الباطل.

والذي أريد أن أؤكد عليه: هو أنه يجب على الداعية أن يكون بصيرًا في دين الله، حتى لا يدعو إلى منكر وهو لا يعلم، أو يحذّر من معروف وهو لا يعلم، والحمد لله الشيء الذي لا تدعو إليه اليوم وتؤجله إلى الغد بعد أن تتأمل في النصوص والأدلة خيرٌ لك من أن تتعجل وتقول فيما لا تعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت