-والحكم نفسه ينطبق على الأمكنة المختصة بالشرف والحرمة مثل مكة، فالأعمال فيها أعظم من غيرها، فالصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة فيما سواه، وكذا الذنب هو فيها مضاعف، قال تعالى:"إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم".
-والحكم نفسه يعمل به في الأزمنة المشرفة المحرمة، كشهر رمضان، ودليل حرمته النصوص الدالة على عظمته، وبيان عظم الثواب فيه، ورحمة الله عباده فيه، وفتح أبواب الجنة، وغلق أبواب النيران، وتصفيد الشياطين، واختصاصه بليلة هي خير ألف شهر، فالحسنات فيه إذن مضاعفة، وإذا ثبتت مضاعفة الحسنات فذلك دليل على مضاعفة السيئات أو تعظيمها، لما سبق من أن التضعيف في حال الاختصاص والاجتباء يكون في الحسنات، ويكون في السيئات.
ثم إنه مع ذلك: قد نص الدليل على عظم الذنب في رمضان، فإن النبي صلى الله عليه وسلم رأى قوما معلقين بعراقيبهم، مشققة أشداقهم، تسيل دماؤهم، فسأل عنهم؟ فقيل له: (الذين يفطرون قبل تحلة صومهم) [ابن خزيمة، صحيح الترغيب 1/420]
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الذي وقع على امرأته نهار رمضان بأعظم الكفارات، وهي كفارة القتل والظهار: عتق رقبة، فإن لم يجد، فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، وغلظ الكفارة من غلظ الذنب، وقد استوجبها لما واقع حليلته (زوجته) في نهار رمضان، في الوقت المحرم، فدل هذا على أن الذنب في رمضان ليس كغيره، وإذا كان هذا التشديد والوعيد والعقوبة في حق من انتهك الشهر مع حليلته، فكيف بمن انتهكه مع حليلة جاره أو مع أجنبية لا تحل له؟.
-المسألة الثالثة: تعريف الذنب.
هناك من يعبث بالشرع فيجعل الذنوب من المباحات، وهذا موجب لبيان ما هو الذنب في الشريعة:
لكلمة الذنب مترادفات شرعية مثل: المعصية، الإثم، الخطيئة، السيئة، السوء. وكلها تعبر عن حقيقة ما يفعله الإنسان حين يخالف أمر الله تعالى، وكل هذه الألفاظ وردت في القرآن في سياق الذم والوعيد، قال تعالى:
-"والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون".
-"ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين".
-"ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا".
-"بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون".
-"إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم".
فكل هذه المترادفات تدور حول معنى واحد هو: مخالفة ما أمر الله تعالى به، فعلا أو تركا.
فالمخالفة تكون بترك واجب، أو بفعل محرم، ولا يدخل فيها ترك المندوب، أو فعل المكروه، لأن المندوب هو: ما يثاب فاعله، ولا يعاقب تاركه. والمكروه هو: ما يثاب تاركه، ولا يعاقب فاعله.
فلا يدخل هذان النوعان من الأحكام في باب المعصية والذنب، ومن باب أولى ألا يدخل المباح.
أما الواجب فيدخل في الذنب من جهة تركه، فمن ترك الواجب أثم، لأن الواجب هو: ما يثاب فاعله، ويستحق العقاب تاركه. وكذلك المحرم يدخل في الذنب من جهة فعله، لأن المحرم هو: ما يثاب تاركه، ويستحق العقاب فاعله.
وعلى ذلك: فإذا قيل: أذنب فلان. فمعناه: إما أنه ترك واجبا، أو فعل محرما.
وقد اتفقت الأمة على وجوب القيام بالواجبات، والانتهاء عن المحرمات، وكل ما أمر الله تعالى به فهو واجب، ما لم يصرفه صارف إلى الندب، كالصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، وبر الوالدين، والصدق، والأمانة، والحجاب للمرأة، وإيفاء الوعد، وحفظ اللسان، ونحو ذلك.
وكل ما نهى الله تعالى عنه فهو محرم، ما لم يصرفه صارف إلى الكراهية، كالشرك، والسحر، والكهانة، والربا، والزنا، والرشوة، وأكل مال الغير، وتبرج المرأة وسفورها واختلاطها بالرجال، وعقوق الوالدين، والكذب، والغيبة، والنميمة، ونحو ذلك.
مع ملاحظة الفرق في معنى الكراهية بين الأئمة المتقدمين والمتأخرين، فالأولون كانوا يستعملونه في معنى المحرم، وهو كذلك في القرآن، كما في سورة الإسراء، في آيات الوصايا: نهى القتل، والزنا، وأكل مال اليتيم، والبطر والكبر، ثم قال:"كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها".
أما المتأخرون فإنهم يستعملون المكروه في معنى ما دون المحرم، مما يثاب تاركه، ولا يعاقب فاعله.
فالواجبات معلومة، والمحرمات معلومة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحلال بيّن، والحرام بيّن) ، فلا مجال للتبديل والتحريف والتغيير، فالله تعالى تكفل بحفظه دينه، رسما بحفظ القرآن، ومعنى بحفظ الشريعة من تبديل معانيها، فقال تعالى:"إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون".