فهرس الكتاب

الصفحة 1324 من 27345

[ب] وقد فضح الله تعالى عقولَهم الكَلِيلَة وأنفسَهم العَلِيلَة وأمانيَّهم الهزيلة، فقال جلّ جلاله: (ولتجدنَّهم أحرصَ الناسِ على حياةٍ ومن الذين أشركوا يودُّ أحدُهم لَوْ يُعمَّر ألفَ سنةٍ) ؛ [15] وما ذاك إلا لضحالةِ عُقولهِم وضآلةِ عُلومِهم؛ كما قال عزّ وجلّ: (قلْ إن كانت لكم الدارُ الآخرةُ عند اللهِ خالصةً من دون الناسِ فتمنَّوا الموتَِ إن كنتم صادقين ولن يتمنَّوهُ أبدًا بما قدّمتْ أيديهم واللهُ عليمٌ بالظالمين) ! [16]

[ت] فإذا كان الموتُ في سبيل الله نِعْمةً ومِنْحةً لنا نحن المسلمين؛ فإنّه نِقْمَةٌ ومِحْنةٌ على الكفار والمشركين؛ ولذلك تجد اليهود والنصارى من أشدّ الناس جُبْنًا وخَوَرًا وخوفًا من ملاقاة المجاهدين من المسلمين خاصّةً ومن أسباب المنايا عامّةً ـ بالرغم من تفوّقهم المادّي ـ كما حكى القرآن ذلك في قول الله تعالى: (لأنتم أشدّ رهبةً في صدورهم من الله ذلك بأنهم قومٌ لا يفقهون لا يقاتلونكم جميعًا إلا في قُرًى محصَّنةٍ أو من وراء جُدُر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتّى ذلك بأنهم قومٌ لا يعقلون) ! [17]

[ث] ولعلّ ما يعيشه أعداؤنا هذه الأيامَ من رُعبٍ مُستمرٍّ وعذابٍ مُستقِرّ خيرُ دليلٍ على فِقدان الكُفّار للأمن؛ لأنّ (الأمن) ليس من صناعة الطائرات والأساطيل الجرّارة؛ ولكنه من صِياغة الإيمانِ وصِناعة القلوبِ الجبّارة، كما جاء في حديث هرقل مع أبي سفيان: (وسألتك: أيرتدُّ أحدٌ منهم سَخْطَةً لدينه؟ فذكرتَ أن لا؛ وكذلك الإيمانُ حين تُخَالِطُ بشاشتُه القلوب) ! [18] وما أحلى ما ورد من صفة المؤمن في حديث حلاوة الإيمان ـ عند الشيخين ـ (أن يكرهَ أن يعودَ في الكفر كما يكرهُ أن يُقذفَ في النار) ! [19]

[ج] وقد عبّر عن ذلك أحسنَ التعبير إمامُ الحنيفيّةِ إبراهيم عليه السلام بقوله: (وكيف أخافُ ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزّلْ به عليكم سُلْطانًا فأيُّ الفريقين أحقُّ بالأمن إن كنتم تعلمون. الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهَم بظلمٍ أولئك لهم الأمنُ وهم مهتدون) . [20]

4)حقيقة الموت:

[أ] إنّ الموت حقيقةٌ عظمى يعتقدها المسلم؛ فهو يؤمن بها كما يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله؛ فالموت هو القنطرة إلى عالم البرزخ؛ حيث يعقبه البعثُ والنشورُ، والجنّة والنّار! كما قال القحطاني رحمه الله:

وحياتُنا في القبرِ بعد مماتِنا حقًّا ويسألنا بها الملَكانِ!

والقبرُ صحَّ نعيمُهُ وعذابُهُ وكلاهُما للناسِ مُدَّخَرانِ!

والبعثُ بعد الموتِ وعدٌ صادقٌ بإعادةِ الأرواحِ في الأبدانِ!

وصراطُنا حقٌّ وحوضُ نبيِّنا صدقٌ له عددُ النجومِ أواني!

يومُ القيامةِ لو علِمتَ بهَوْلِهِ لفررتَ من أهلٍ ومن أوطانِ! [21]

[ب] بل إنّ شعراء العرب في الجاهلية وصدر الإسلام كانوا يلهجون بذكر حتميّة الموت! كما قال أُمَيّة بن أبي الصلت: وقد عَلِمْنَا لَوَ أنّ العلمَ ينفعنا

أن سوف يُتبع أولانا بأخرانا!

وقال لبيد:

وكلُّ نفسٍ سوفَ تدخلُ بيتَهم

دُوَيْهِيَةٌ تَصَْفرُّ منها الأنامِلُ!

وقال قسُّ بن ساعدة:

في الذاهبين الأوّلين

من القُرونِ لنا بَصائرْ!

لما رأيتُ مواردًا

للموتِ ليس لها مصادرْ!

ورأيتُ قومي نحوها

يمضي الأصاغرُ والأكابرْ!

أيقنتُ أنّي لا محالةَ

حيث صارَ القومُ صائِرْ!

وقال زهيرُ بن أبي سلمى:

ومن هاب أسبابَ المنايا ينَلْنَهُ

وإن يَرْقَ أسبابَ السماءِ بسُلّمِ!

وقال كعبُ بن زهير:

كلُّ ابنِ أُنثى وإن طالتْ سلامتُهُ

يومًا على آلةٍ حدباءَ مَحْمُولُ!

5)الموت ووجود الخالق:

[أ] والموت ـ لعمري ـ دليلٌ على وجود الخالق سبحانه؛ إذ إنّ البقاء لله وحده، وللخلق الفناء؛ كما قال جل جلاله: (يا أيها الناسُ أنتم الفقراءُ إلى الله واللهُ هو الغنيُّ الحميد إن يشأْ يُذهبْكم ويأْتِ بخلقٍ جديدٍ وما ذلك على الله بعزيز) . [22]

[ب] وذلك من أسرارِ المقارنةِ القرآنيّة البديعة بين الخالق والمخلوق؛ حيث انتفى الشبهُ بقول الله عزّ وجلّ: (أفَمَن يخلقُ كمن لا يَخْلُقُ أفلا تذكَّرون) ! ومن معاني المقابلة في كتاب الله تعالى بين بقاء الخالق وفناء المخلوق: (كلُّ مَنْ عليها فانٍ ويبقى وجهُ ربّك ذو الجلال والإكرام) . [23] [ت] فكلُّ أحدٍ ـ بعد ذلك ـ يعلم الجواب عن قوله تعالى: (أمْ خُلِقوا من غير شيءٍ أم هم الخالقون أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون) ! [24]

6)الموت ومعرفة الله:

[أ] لا ريب أنّ التفكُّرَ في الموت يبعث في النفسِ المعرفةَ بالله (الحيِّ الذي لا يموت) [25] : الذي خلَق الخلْق، وقدّر الأجل والرِّزْقَ، وأحاط بخفايا الأقوالِ ودقائقِ الأعمال!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت