فهرس الكتاب

الصفحة 13245 من 27345

فانظر - رحمك الله - كيف راعى المصالح في حُكمه ، و بنى على تحقيق مصلحة كبيرةٍ و نفع عظيم للإسلام قوله ( كان ذلك جائزًا ) ، و اضبط بهذا الضابط سائر كلامه و فتاواه و إن كان ظاهرها التعارض ، فإن الجواب بحسب السؤال ، و الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوّره .

و مثل هذا الكلام يقال عن موقف محدّثِ الديار الشاميّة العلامّةِ الألباني رحمه الله ، و قد تعرّض رحمه الله إلى تطاول السفهاء و المتعالمين فنسبوا إليه زورًا و بهتانًا أنّه حكم على من يُقتل في عمليّة تفجير استشهاديّة يقوم بها في صفوف العدو بالانتحار ، و الشيخ بريء من ذلك ، و من فتاواه النيّرة في هذا الباب ما هو مثبت بصوته [ في الشريط الرابع و الثلاثين بعد المائة من سلسلة لهدى والنور ] حيث سُئل رحمه الله سؤالًا قال صاحبه: هناك قوات تسمى بالكوماندوز ، فيكون فيها قوات للعدو تضايق المسلمين ، فيضعون - أي المسلمون - فرقة انتحارية تضع القنابل و يدخلون على دبابات العدو، و يكون هناك قتل... فهل يعد هذا انتحارًا ؟

فأجاب بقوله: ( لا يعد هذا انتحارًا ؛ لأنّ الانتحار هو: أن يقتل المسلم نفسه خلاصًا من هذه الحياة التعيسة ... أما هذه الصورة التي أنت تسأل عنها ... بل هذا جهاد في سبيل اللّه... إلا أن هناك ملاحظة يجب الانتباه لها ، وهي أن هذا العمل لا ينبغي أن يكون فرديًا شخصيًا ، إنما هذا يكون بأمر قائد الجيش ... فإذا كان قائد الجيش يستغني عن هذا الفدائي ، ويرى أن في خسارته ربح كبير من جهة أخرى ، وهو إفناء عدد كبير من المشركين و الكفار، فالرأي رأيه ويجب طاعته، حتى ولو لم يرض هذا الإنسان فعليه الطاعة... ) .

إلى أن قال رحمه الله: الانتحار من أكبر المحرمات في الإسلام ؛ لأنّ ما يفعله إلا غضبان على ربه ولم يرض بقضاء اللّه ... أما هذا فليس انتحارًا ، كما كان يفعله الصحابة يهجم الرجل على جماعة من الكفار بسيفه ، و يعمل فيهم بالسيف حتى يأتيه الموت و هو صابر ، لأنه يعلم أن مآله إلى الجنة ... فشتان بين من يقتل نفسه بهذه الطريقة الجهادية و بين من يتخلص من حياته بالانتحار، أو يركب رأسه ويجتهد بنفسه ، فهذا يدخل في باب إلقاء النفس في التهلكة ) .

من و لا يمنع من ذلك ما يراه الناظر بعينٍ واحدة ، من همجيّة الرد ، و عنجهيّة العدو ، فإنّ هذه سنّة الله في عباده ، و لنا العزاء في قوله تعالى: ( إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ و تِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ) [ آل عمران: 140 ] و قوله سبحانه: ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) [ آل عمران: 173 ] ، و قوله جلّ شأنه: ( إن تكونوا تألمون فإنّهم يألمون كما تألمون و ترجون من الله ما لا يرجون ) .

عباد الله !

روى الستّة و أحمد عن زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الجهني - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ « مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا ، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا » ، فإن فاتكم شَرف الرباط فلا يفوتنّكم شرف الإمداد ، و لنكن متعاونين على الخير ، متسابقين إليه ، فـ ( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) كما قال تعالى ، و ( ما نَقَص مالٌ من صدقة ) كما قال نبيكم الأمين في ما رواه مالك و أحمد و الترمذي ، و قال حديث حسن صحيح عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه .

وفّقني الله و إيّاكم لخيرَيْ القول و العمَل ، و عضمنا من الضلالة و الزلل

و صلّى الله و سلّم و بارك على نبيّّّه محمّد و آله و صحبه أجمعين

(1) ( خطبة الدكتور أحمد بن عبد الكريم نجيب في مسجد دَبلِن بإيرلندا في التاسع و العشرين من شهر الله المحرّم عام 1423 للهجرة ، الموافق للثاني عَشَر من نيسان 02 20 للميلاد )

كتبه

د . أحمد عبد الكريم نجيب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت