فهرس الكتاب

الصفحة 13306 من 27345

عرفت هذه الأمة القيمة التي اشتقت قيمتها منها وهي القيمة العليا من خلود هذه الرسالة . إذًا فهذه الأمة محصنة ضد عوامل الإفناء والإهلاك ، ولكن هل هي محصنة ضد أن يأخذها الله بالبأساء والضراء ؟ الجواب: لا . إن هذه الأمة كلما تمردت على أوامر الله وتركت شريعة الله واتبعت كل ناعق مسها الله جلا وعلا بما شاء من أفانين العذاب وألوان الابتلاء . إن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها ) كيف يهجم الناس حينما يدعون إلى الطعام كذلك أمم الأرض سوف تتداعى عليكم . ( ولينزعن الله من قلوب عدوكم المهابة منكم وليسلطن عليكم عدوكم حتى يستنقذوا بعض ما في أيديكم ) وهذا الكلام غريب فأن يقال مثل هذا في عز الإسلام وعنفوان الحركة ( قالوا أمن قلة نحن يا رسول الله ؟ ) كأنما الأصحاب غابت عنهم حقائق التجربة ، إن مسألة القلة والكثرة أمر لا قيمة له في سياق الدعوات وتقرير المصائر أبدًا ، المناط كله مبني على ثبوت اليقين والإيمان ومعرفة الطريق ووضوح الهدف ( قالوا أمن قلة نحن يا رسول الله ؟ قال: لا ، إنكم يومئذ لكثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ) الغثاء هو ما خف من الأخشاب والأوساخ التي تطفو على الماء حين يجرفها السيل ( ولكنكم غثاء كغثاء السيل ) وحين تساءلوا عن السبب في ذلك قال: حب الدنيا وكراهية الموت . هذه الأمة ليست محصنة عن أنواع من البلاء ولكن لن تهلكها نهائيًا ، تؤثر على كرامتها وعلى مكانتها وعلى واجب القيادة التي تفرضها عليها هذه الرسالة ، إن أمم العالم كما ترون أذاقتنا كأس الذل والهوان ، فيما مضى نفذ إلى جسم الأمة أبالسة الجن والإنس ينفثون سموم الفرقة والشتات حتى أصبحت الأمة وقد ألبسها الله شيعًا وأحزابًا يضرب بعضها رقاب بعض ، وبعد أن كانت السيوف مسلطة والرماح مشرعة على رقاب العدو ونحور العدو أصبحت هذه الأسلحة توجه إلى صدور الإخوة في الله جلّ وعلا فتمزقت الأمة وذهبت وحدتها ، ثم كانت النتائج التي لا بد منها أن تبلغ الأمة حالة الضعف حتى يطمع فيها من لم يكن يطمع فيها من قبل وحتى يتجرأ عليها فيمد يده فيأخذ بعض ممتلكاتها .

انظر الآن إلى أمم الأرض جميعًا لا تستثنِ أحدًا ، فهذه الأمم كلما جاءت أمة لعنت أختها ، وجدير بنا أن ندرك جيدًا أن الكفر ملة واحدة ، إن أمم الأرض جميعًا تعمل على أن نزداد خبالًا ونزداد تمزقًا ونزداد بعدًا عن حقائق هذا الدين ، وهو بلاء كما ترون عظيم ، إننا نودينا من قبل معسكرات في تاريخنا القديم وفي تاريخنا الحديث ولعلي في مناسبات قادمة سأفتح أمامكم صحفًا من التاريخ تزكم الأنوف روائحها الكريهة ولعلي سأكشف لكم صحفًا من التاريخ مؤلمة . نحن الآن ينبغي أن نعلم أننا غُلبنا على الصداقة من معسكرات ومن قبل أناس ، ثم اكتشفنا في غمرة الكارثة أننا كنا ضحايا الخديعة والمؤامرة الكبيرة . إن هذه عقوبة وهي في مكانها ، حينما تجد الأمة نفسها في وضع قد فقدت الثقة بنفسها فمن الحق ومن العدل أن تقسم إلى شيع وطوائف وأحزاب وأن ينضوي كل جزء من هذه الأمة تحت معسكر معاد . ولقد مرت بهذه الأمة في تاريخها الحاضر المعاصر سويعات وسنوات ما تسمع فيها من جانب إلا بحمد روسيا ، وتسبيحًا من الجانب الآخر بحمد أمريكا ، وأنت اليوم تسمع أنغامًا ترقص عليها أبالسة الجحيم مثل هذه الأنغام ما الذي يراد بذلك ؟ أمستقبل الأمة ؟ لا . أن تقف الأمة على قدميها ؟ أبدًا . إن الذي يراد مزيد من الفرقة ومن الدفع إلى الخلف يبعد هذه الأمة عن حقائق هذا الدين . وهذه عقوبة وأية عقوبة ؟

إن الله جلا وعلا حين طوى جواب القسم فلم يذكره ، ما طواه هوانًا واحتقارًا لشأن الأمة فالدنيا كلها وما فيها من أحياء وما فيها من أشياء هينة على الله جلّ وعلا حين تعصي أمره وتشذّ عن قاعدته ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: الناس رجلان: مؤمن تقي كريم على الله تعالى ، وفاجر شقي هين على الله تعالى . كل من ابتعد عن أمر الله وتمرد على رسله وأنبيائه فهو هين .. عاد وثمود وفرعون وغيرهم من الأمم والأقوام التي طواها الزمان بفعل التدمير ، والإهلاك المقصود إهلاكًا هينًا على الله ، كما أن سفهاء قريش وزعماء الكفر هينون على الله جلا وعلا . ولكن المماثلة بين الأمرين وبين أمتنا وبين من سبقها من الأمم منعدم ، ولهذا طوى السياق جواب القسم ، لأن جواب القسم حين يليه مصير أقوام أخرى ويكون منصوصًا فيه على أن ينال هذه الأمة جزاء العقوق والتمرد مثلما نال أولئك ، فإن ذلك يكون تدميرًا للقاعدة التي أبرزناها وهي قاعدة الخلود لهذه الرسالة وكون هذه الأمة آخر الأمم وهذه الرسالة آخر الرسالات وأن القوامة محصورة فيها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت