فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
لكن هنا الأمر يختلف ، كل الصياغات التي تلوتها عليكم مما تضمن مخاطبات من قبل الله مع رسوله الحبيب عليه الصلاة والسلام لم تأتِ على نحو ما جاءت هنا ( لا يكن في صدرك حرج منه ) كأنما يشعر الإنسان بهذه الجفوة التي يتضمنها اللفظ ، كأنما يريد أن يستقر في وهم القارئ أو السامع أن الرسول عليه الصلاة والسلام يمكن ولو من باب التوهم أن ينفّذ مرادات الخالق تبارك اسمه وهو كاره لهذه المرادات ، كيف ؟ في الجمعة الماضية قلت لكم يحسن لكي يستقيم فهم سورة الأعراف أن ترجعوا بالقراءة إلى سورتي القمر وصاد اللتين سبقتا في النزول هذه السورة الكريمة .
لمحة خاطفة نلقيها الآن ، نحن نجد أن الله تعالى اقتصّ في سورة القمر وفي سورة صاد وفي سورة الأعراف قصصًا من قصص الأنبياء مع أممهم السابقة قبل أمتنا المسلمة هذه ، ولكن وبدون تعجّل للوقفة التي سأقفها بإذن مع مدلولات القصص القرآني في مختلف السور لا بد أن ألفت انتباهكم وأنعش ذاكرتكم فيما يختص بهذه القصص . في سورة القمر كل القصص التي وردت جاءت تثبيتًا وتطمينًا للنبي الكريم إلا أن ظواهر الكنود والجحود ومظاهر العداء والصد والنفور والتنكيل والتعذيب ليس شيئًا مستغربًا ، ذلك شأن كل أمة مع نبيها ، عتت وتمردت ورفضت الانصياع لأمر الله تعالى ، لكن العاقبة مقررة . كما تشرق الشمس من المشرق لتغيب في المغرب كذلك قانونًا مقدورًا لا بد أن يتغلّب الحق ولكن بشروطه المعروفة طبعًا والمعروضة بكتاب الله .
والباطل مهما استشرى وتمادى في العناد لا بد أن ينهار ، لأن الباطل في ذاته يحمل جراثيم الفناء والموت ، ذلك أمر لا ريب فيه . فإذا جئنا إلى سورة صاد وهي السورة التي جاءت بعد سورة القمر مباشرة وألقينا النظرة العجلى على قصص القرآن نجد القصص القرآني ينحو في التقرير نحوًا جديدًا ، إن القرآني في سورة صاد استعرض وقائع نبيين معينين آخذهم الله لهفوات بسيطة ( وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسورا المحراب إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزّني في الخطاب ) انتهى عرض الخصومة من قبل عرض واحد ، داوود نبي وخليفة الله تعالى في أرضه سمع من طرف واحد فما لبث أن قال ( لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرًا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم ) هنا انتهى نطق داوود عليه السلام بالحكم باعتباره قاضيًا من حيث هو خليفة الله في أرضه . لكن داوود بالصلة الموصولة بينه وبين الله تعالى أدرك الخطأ ( وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخرّ راكعًا وأناب ) وجاءه التوجيه الإلهي ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ) ما مقتضاها ( فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحياب ) هنا بمَ أُخذ داوود عليه السلام ؟ بقطع النظر عن تخبيص كثير من المفسرين الذين اعتمدوا الدسائس الإسرائيلية نجد الأمر واضح ، داوود عليه السلام من حيث قاضٍ سمع من طرف واحد وكان الواجب أن يتريّث فلا يُصدر الحكم حتى يسمع الطرف الآخر ، فقد يكون هذا ألحن بحجته من أخيه فيقضي له على نحوٍ مما سمع ، وهذا هو الذي حصل .
ومقام النبوة لا يحتمل مثل هذه الهفوات ، وكذلك بقية القصص التي جاءت في سورة صاد ، جات لتضع أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط المعركة المحتدمة بينه وبين المشركين والتي تثير كل خلية في جسم الإنسان ، وكل هاجس في خاطر الإنسان بالألم والمرارة ، ألم الإنسان الذي يعرف الطريق حق المعرفة ، ويعرف أيضًا أن هؤلاء ينكبون عن الطريق الصحيح عن عمد وعن اصرار ، ألم كاسح ، ولكن مقام النبوة مقام النيابة عن الله لا يحتمل هذه النظرات المجزوءة المحدود بحدود الزمان والمكان ، بل يجب أن يكون النبي متجاوبًا عن الضمير الكوني كله ومنسجمًا مع الإرادة الإلهية التامة . ولهذا فعليه أن لا يستخفّه الذين لا يستيقنون ، هذا الدرس العظيم هو الذي كان زبدة قصص الأنبياء في سورة صاد ، إننا حين نحاول أن نعقد الحبل من طرفين بين سورة صاد وسور الأعراف يتفسّر لنا مراد الله تعالى من قوله ( لا يكن في صدرك حرج منه ) لماذا ؟