فهرس الكتاب

الصفحة 13478 من 27345

حينما نبسط أمامنا مخططًا عامًا لسورة النجم فبالتأكيد سوف نعثر على هذه القضايا بالذات ، أول شيء بدئت به السورة تلميح إلى موضوع الألوهية ولكن من الجانب الذي يهدم العقيدة الفاسدة أي من الجانب السلبي وليس من الجانب الإيجابي . ( والنجم إذا هوى ) فالنجم باعتباره أحد المعبودات التي كانت تعبدها الأمم القديمة ، ومن الخطأ أن نظن أن عبادة النجوم عبادة كانت مقصورة على العرب ، فالواقع أن العرب أخذوها عن غيرهم ، عبادة الكواكب والنجوم كانت أشيع ما تكون وأظهر ما تكون عند البابليين ، وحينما أرسل الله جل وعلا أبا الأنبياء إبراهيم عليه السلام بالحنيفية السمحة كانت عبادة النجوم أظهر شيء يكون في المجتمع البشري المعروف في العالم القديم ، ولعل الإشارة في الآية حكايةً عن مقام إبراهيم عليه السلام ( فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم ) تشير إلى هذا الواقع الذي كان معروفًا في ذلك التاريخ . والعرب أخذت عبادة بعض الكواكب عن الأمم الأخرى ، صحيح إن البابليين في الأصل موجة من موجات الهجرة العربية من الجزيرة العربية ولكنها تحيزت مع الزمن أمة قائمة بذاتها ، انفصلت بمعتقداتها وبآرائها ونظمها وبأنماط حياتها عن الأمة الأم التي بقيت تعيش داخل الجزيرة العربية ، فلا بدّ نعرف أن عبادة النجوم طارئة على الأمة العربية وليست أصيلة ، وأنها جاءت إليها من أمم أخرى . هذا التلميح الذي أشرنا إليه الآن والذي يشير إلى قَسَمٍ بالنجم إذا هوى يُشْعِرُ عند من يذوق تراكيب العربية ويعرف خصائص اللسان الذي أُنزل به القرآن ويعرف قيمة الزخم والإشعاع الذي تتمتع به هذه اللغة الشريفة التي نطق بها أفصح الخلق وسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم تترك في حس العربي وهو يسمع هذا الكلام . العربي ولا نعني عرب اليوم فكثير منهم يجب أن يُسمّوا أعاجم ، وأعني العرب الذين خلصت فِطَرُهُمْ واستقامت سلائقهم وبرئت من العقد نفوسهم ، هذا العربي حين كان يسمع الله يقول ( والنجم إذا هوى ) يتصور في ذهنه عالمًا كاملًا ، قضية برمتها تقوم رأسًا في الذهن وتنبثق لتأخذ شكل عالم ، يتصور العربي أمته وتلك الطوائف منها التي كانت تعبد النجوم والكواكب سواء عبدتها استقلالًا أي اعتبرتها آلهة من دون الله أو عبدتها على سبيل المشاركة مع الله جل وعلا أو عبدتها على سبيل البُنُوّةِ لله جل وعلا تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا ، كما كانت العرب تدعي أن الملائكة بنات الله ، وسواء عبدت هذه النجوم على أنها أشياء مقدسة لها تأثير أو فاعلية في الوجود أو بتعبير الفلاسفة ـ الذين يُسَمَوْن للأسف فلاسفة المسلمين ـ أن هذه الكواكب مدبرات للكون . سواء كانت الصورة هذه أو تلك فإن العربي يتصور مباشرة هذه الصورة . هذا النجم يراه أمامه كلما جن الليل ونظر العربي إلى أديم السماء ولاحظ حركات النجوم وجد النجم ينتقل بانتقال الفلك ويتحرك بحركة الفلك ، ثم وجد هذه النجوم المتهاوية المتساقطة فهو يرى دلائل التغير والحدوث ، ما كان متغيرًا وحادثًا فلا بد أن يكون البداية ، والله الخالق البارئ المصور يستحيل أن تكون له بداية ، ما كان خاضعًا للتغير فإن الزمان يؤثر فيه ، وإن المكان يؤثر فيه ، والمعبود الحق خالق الزمان والمكان ومؤثر فيهما ، حينما تقع هذه اللحظة في حس العربي ( والنجم إذا هوى ) يدرك فورًا دلالة ما فيه طوائف من العرب ممن عبد النجوم ، وصحيح أن الهجوم على صورة من صور الوثنية بهذا الشكل هجوم غير مباشر ولكنه فعّال ، ليست المسألة أن أواجهك مواجهة صريحة وأن أكسر ساقيك ، لا ، هذه صورة من صور عديدة قد تكون أضعف الصور وأقلها تأثيرًا ، المسألة التي يجب أن توضع في الاعتبار وأن تُوْلَي العناية الكافية ليست أن نسب معبودات العرب وغير العرب ، فإن السباب المباشر والهجوم المباشر دون أن يكون مصحوبًا بهذه الزعزعة التي تتناول التشكيك بأساس القضية يؤدي إلى عكس المطلوب ، ولهذا نجد من جملة تأديبات القرآن للأمة المسلمة حينما كان بعض المسلمين يتسرع فيسب آلهة المشركين نجد الله تعالى يقول على سبيل التأديب والتوجيه وبيان الطريقة الأجدى والأمثل ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسب الله عدوًا بغير علم ) ماذا تكون النتيجة ؟ تكون النتيجة حين تهجم أنت الهجوم المباشر على الخصم أنت لا تفعل أكثر من أن تزيد ضلاله على ضلال ، وقساوة على قساوة ، الطريقة المثلى أن تمسّ القضية من أطرافها بالتشكيك ، لزعزعة الثقة ، حتى إذا ما اهتزت الأسس ولم يبقى للقضية التي يحملها خصمك كل هذه القداسة والتمسك فحينئذٍ اضرب الضربة القاضية وذلك هو ما فعله القرآن الكريم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت