السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ فَقَالَ النَّاسُ آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ فَأُتِيَ الْمَلِكُ فَقِيلَ لَهُ أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ قَدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ قَدْ آمَنَ النَّاسُ فَأَمَرَ بِالْأُخْدُودِ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ وَقَالَ مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَحْمُوهُ فِيهَا أَوْ قِيلَ لَهُ اقْتَحِمْ فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءَتْ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا فَقَالَ لَهَا الْغُلَامُ يَا أُمَّهْ اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ] رواه مسلم.
[كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ] وهذه هي بداية القصة، دون ذكر للزمان والمكان ليمكن اعتناقها والاستفادة بها بغير الارتباط، أو التعلق بظروفها وملابساتها.
وفي قوله: [فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ] يريد فيما مضى، فيربط هذا الماضي بحاضر الدعوة في عهده فيقول: [قَبْلَكُمْ] حيث أن هذا الواقع القائم الآن هو الامتداد الصحيح لواقع الدعوة منذ بدايتها مع بداية الزمان. وهذا هو المعنى الأول المأخوذ من تلك البداية.
والمعنى الثاني: هو أن هذه البداية: [كَانَ مَلِكٌ] أبرزت ضرورة المواجهة بين الدعوة إلى الحق والحكم الباطل بصورة واضحة. وبذلك نفهم أن العداء بين الدعاة إلى الحق وبين حكام الباطل أمر بدهي مفروض من البداية وبمجرد التفكير في غاية الدعوة والنظر إلى واقع الناس.
وعلى هذا فإن أي دعوة إلى الحق تظهر في الواقع الباطل توجيهًا نظريًا، أو فكريًا مجردًا لا يتضمن تقدير مواجهة هذا الباطل في قوته وسلطانه؛ ستكون قتيلة بسنن الوجود، وتُلفظ من واقع الناس؛ ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم حريصًا في بداية الدعوة على إعلانها على الملأ والجهر بأنها دعوة إلى جميع الناس فكان يبعث إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام وهو لا يزال في مرحلة الاستضعاف تأكيدًا لأبعاد الدعوة من البداية، ودون اعتبار للإمكانيات، أو مراعاة لميزان القوة بينه وبين هؤلاء الملوك.
ولقد كانت قريش من الذين لم يفهموا قصد الرسول صلى الله عليه وسلم فظنت أنه لايريد إلا الحكم- فعرض عليه سادتها أن يكون سيدًا عليهم، فرفض الرسول صلى الله عليه وسلم تلك السيادة.
فالحكم ضرورة في تصور الدعوة، ولكنه لن يأتي منحة من المغتصبين له، ولن يتحقق بالمساومات الرخيصة، بل يجب أن يسترد بالجهاد والعمل؛ ليكون ولاية شرعية حقيقية.
ويجب ألا يمنع الاستضعاف ضرورة المواجهة بين الدعوة والحكم الظالم، وليس في تلك المواجهة -دون اعتبار للإمكانيات المادية- أي تهور، ولهذا بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن سيد الشهداء من يقوم إلى حاكم ظالم يأمره وينهاه، وهو يعلم أنه سيقتله، فقال: [سَيِّد الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ ظَالِمٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقَتَلَهُ] رواه الحاكم في المستدرك والطبراني في الأوسط . لأنه أكد مايؤكده الشهداء بقتالهم الكافرين أصحاب القوة والسلطان، ويزيد عليهم أن الشهداء كانوا يقاتلون باحتمال النصر أو الشهادة، وهو يواجه باحتمال واحد وهو الشهادة.
[وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ] تفيد أن الساحر للملك والسحر للحكم، وعندما يحكم السحر نفهم طبيعة الواقع الخاضع، فلابد أنه واقع فاسد، قائم بالظلم، ومحكوم بالهوى. ولابد أن المنهج وهم، وأن القيادة قهر، وأن الفكر خرافة، والواقع ضياع، وعندئذ يكون الإنسان إما متكبرًا لا يعجبه إلا نفسه، أو مقهورًا لا يشعر بنفسه.
وهذه ضرورة الحكم الظالم؛ لأن الحكم الجاهلي يقوم على تفتيت كيان الفرد، وتشتيت كيان المجتمع؛ لأن الحكم الجاهلي لايريد إلا السيطرة دائمًا، ولو إلى الدمار، وفي هذه الحالة يكون من مصلحة الحاكم أن يكون الإنسان الذي يواليه غبيًا جاهلًا ضعيفًا.
وأي منهج ليس من عند الله يخضع له الناس يحقق نتائج السحر، وليس هناك فارق بينهما إلا في الشكل والاسم، وأي منهج يتخيل الإنسان أنه سليم بتأثير الإرهاب الذي يُفرض به المنهج من خلال الجهل والضعف؛ يحقق نتائج السحر.
[فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ لِلْمَلِكِ إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ فَابْعَثْ إِلَيَّ غُلَامًا أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ] ومن هذا القول نجد نموذجًا لبطانة السوء التى يهمها أن تبقى الأوضاع التي يستفيدون منها، وينعمون فيها، ومثلهم الواضح سحرة فرعون الذين جاءوا إلى المدائن لمواجهة موسى، فكان أول ما قالوا:وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ [113] قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [114] } [سورة الأعراف] . فلم يسألوا عمن سيواجهون، وما هي قضيته.. فهذا لا يهم ولكن الذي يهم هو الأجر .